منذ بضع سنوات مضت، أخذ بعض منظري النظم (محللي نظريات النظم) بالمعهد الفيدرالي للتكنولوجيا في زيورخ (سويسرا)، على عاتقهم رسم خريطة ملكية وتحكم الاقتصاد العالمي.. ماهي خريطة الملكية؟ لقد قاموا بالبحث في قاعدة البيانات الخاصة لـ 37 مليون شركة، وتحليل علاقات هذه الشركات بما يقارب 43 ألف شركة متعددة الجنسيات من خلال الملكية المشتركة أو الملكية التبعية أو المساهمة وغيرها، بغية إنشاء نموذج لمعرفة من يمتلك ماذا، وإلى أين تتدفق الإيرادات ومن يتحكم في الاقتصاد العالمي.
من خلال تتبع سلاسل الملكية عبر القارات والاتفاقيات التجارية المعقدة، اكتشفوا وجود ما يقارب 740 شركة متعددة الجنسيات تتحكم من خلال الملكية المشتركة فيما يقارب 80% من الاقتصاد العالمي، وتقريبًا نصف هذه النسبة تتحكم به 150 شركة فقط، التي معظمها بنوك وصناديق استثمار وفوق هذا بالطبع الأفراد المستثمرين أنفسهم.
اهتم المنظرون في زيورخ بعمل هذه الدراسة خصيصًا من أجل تحليل عدم استقرارية الاقتصاد العالمي، عقب الأزمة المالية خلال عامي 2008- 2009، فمثل هذا التركز العالي للملكية على شبكة واسعة من الشركات، ومثل هذا التوزيع الغير عادل للثروة، سيؤدي بالطبيعة إلى نظام اقتصادي غير مستقر، لذا ففي حال انهيار بنك واحد فقط على قمة الهرم سينتج عن ذلك إلى كارثة عالمية.
وعلاوة على ذلك، فإن تمتع حاملي الأسهم على قمة النظام، بهذه القدرة في الوصول غير المحدود عبر الحدود، وبمثل هذه القوة الاقتصادية الضخمة الساحقة، القادرة على الإخضاع والتأثير على الكيانات الأصغر (مثل دول العالم النامي)؛ لمجرد المنفعة المادية الشخصية فقط، فهذا وحده يعد كارثة عالمية.
يمثل حاملو الأسهم هؤلاء قمة الإمبراطورية الرأسمالية، ولا يخدمون مصالح أي أمة، بل إنهم أنفسهم غير مرتبطين بأي دولة محددة. فقد حرر التدفق العالمي للمال الأثرياء من قيود القومية والتجنس.
القول بأن أمريكا لديها أجندة لهذا أو ذاك، أو أن الغرب يريد هذا أو ذاك، ليس إلا مجرد تضليل؛ لأننا عندما نتحدث عن الدول فعلينا أن نعرف أنها لا تملك أي دور في عملية صنع القرار، ولكن على الأغلب يمكننا قول إن قوة الدولة الأمريكية يتم تعبئتها من قبل النخبة الرأسمالية العالمية؛ من أجل هذا الغرض أو ذاك، وليس لها أي علاقة بالولايات المتحدة كأمة او إرادة أو مصلحة الشعب الأمريكي.
تتألف طبقات النظام الإمبريالي السفلى، من النخب المحلية التي تتوافق مصالحهم وتطلعاتهم مع سادة الإمبريالية العالمية، وهذه هي النسخة المنقحة من النظام الإمبريالي البريطاني (الحكم الغير مباشر)؛ فببساطة يتآمر الأثرياء المحليين، مع الأثرياء العالميين بطريقة مربحة لكل منهما وكل هذا على حساب الشعب، فالنخبة المحلية تعي أن مكانتها في المجتمع تعتمد على هذا التآمر. لذا فإن الدائرة الانتخابية في عصر عولمة رأس المال لأي حكومة بدول العالم النامي ليست الناخب المحلي، ولكن حشود المستثمرين الأجانب، وهؤلاء الذين يجب الوفاء بعهود الحملات الانتخابية لهم.
فيمكنك أن تلاحظ -على سبيل المثال-، العناوين الصحفية الرئيسية الأخيرة، ومنها “على الحكومة المصرية تحقيق نمو من أجل البقاء”، وما تم توضيحه بشكل موسع من قبل هو أن “النمو” هنا يعني الفرص والأرباح للمستثمرين الأجانب، فالبعض يتخيل أن موافقة المحكومين هي ما يحدد بقاء حكومة تدعي ديموقراطيتها، ولكن من الجلي أن بقاء أي نظام يعتمد على قدرته على خدمة الشركات و المستثمرين، وهذه هي خلاصة القول.
بالتطبيق على مصر، سنجد القطاع الأكبر من النخبة المحلية هم المديرون التنفيذيون للانقلاب العسكري. فمن الواضح أن الجيش له حصة هائلة من الاقتصاد المصري، بل ربما كان هذا هو السبب الأول وراء الانقلاب.
قبل الثورة، كانت هناك جبهتان أساسيتان لكل منهما مصالح، تتنافسان على قيادة التوزيع الليبرالي الحديث للاقتصاد المصري مع الشركات متعددة الجنسيات، وهما جمال مبارك وعصابة المافيا خاصته من جهة، في المقابل الجيش على الجهة الأخرى.
بعد الثورة، وخلال الفترة الانتقالية التي سيطر فيها المجلس الأعلى للقوات المسلحة على البلاد، أصبح الجيش هو الجبهة الوحيدة بدون منازع، حتى صعد الإخوان المسلمون – وما لديهم من وجود معتبر في الاقتصاد الخاص- بشكلٍ مفاجئ إلى موضع يمكنهم من خلاله إدارة البرنامج الليبرالي الجديد.
على الصعيد الاقتصادي، حدثت تغيرات بشكل طفيف جدًا في السياسة الاقتصادية خلال فترة حكم مرسي، في حين ظلت إدارته تنتهج المسار الليبرالي الجديد، كان هذا ملموسًا لدرجة أن العديد من رجال الأعمال، وأعضاء الكونجرس أتوا إلى مصر من بغية مناقشة الاستثمار، وعند رحيلهم صرحوا بأن الحكومة الجديدة تتحدث تمامًا كالجمهوريين (أعضاء الحزب الجمهوري)، ولكن كانت هناك بعض علامات النفور والمقاومة، مثل التردد في تنفيذ إصلاحات صندوق النقد الدولي بشكل فوري. ولكن كان المفهوم الأساسي للأجندة النيوليبرالية حتمًا مقبول، وهذا ليس مفاجئًا؛ فأي حكومة كان سيتحتم عليها التقيد بالنظام الإمبريالي العالمي.
هنا عاد الجيش إلى مخاوفه الأولى، بأن برامج الخصخصة وتحرير التجارة سوف تعرض حصته في الاقتصاد المصري إلى الخطر، وأن أصوله الاقتصادية، وحتى مناصب أفراده يمكن أن ينتهي بها المطاف تحت سيطرة شركات لها علاقة بالإخوان. وبناءً عليه فإن هذا الانقلاب كان قرار تجاري من الجيش.
وبالإضافة إلى “شركة قادة الانقلاب العسكري المتحدة”، نجد بالطبع شركات الاستثمار المحلية التي تمتلك زبائن أجانب إلى جانب الشركات المصرية، وخاصةً الشركات التي بها ملكية أجنبية معتبرة فهذه الشركات تستولي على وظائف الدولة عن طريق الخصخصة، أو تستفيد بطرق أخرى من المشروع الليبرالي الحديث. ولا يمكن لأحد أن يشك في أن هؤلاء الشركاء جزء لا يتجزأ من احتلال البلاد.