عليك ألا تعبر – في المعتقل – عن حزنك أو يأسك لأي كان. لا تظهر أيا ً من مظاهر الجزع أو الخوف من أزمتك, بل اجعل سمتك الهدوء والقبول بالأمر الواقع. إذا أردت أن تبكي (وستفعل على الأرجح) فابك في الحمام. إذا لاحظت الشرطة أنك صرت فريسة لليأس والجزع فسوف يشتبهون أنك ستحاول الهروب.
وقد واجهت لحظة بالغة القسوة في هذا الشأن. إذ أمر القاضي قبل النطق بالحكم أول مرة أن أخضع لاختبار نفسي لتحديد قواي العقلية. حيث تم إيداعي مستشفى المجانين لخمسة أسابيع كنت خلالها تحت المراقبة المستمرة. وكان أي انفجار عاطفي أو علامة على الاضطراب النفسي سيتم تفسيرها على أنها من أعراض الجنون.
في حالة ما إذا تم تصنيفي كمختل, لربما أفلت من الإعدام (هذا صحيح), ولكن كان سيحكم علي بالسجن مدى الحياة. كنت مهتما ً خلال المحاكمة أن أثبت لهم ليس فقط أني في كامل قواي العقلية بل وأيضا ً أن ما فعلته هو الصواب. وكنت أؤمن أني طالما التزمت بالصدق فلسوف ينقذني الله من هذا البلاء.
لذا فعلى الرغم من أنني كنت محاطا ً بمرضى عقليين يصرخون وينتحبون طوال اليوم, وعلى الرغم من اعتقالي ومواجهتي لعقوبة الإعدام وانفصالي عن عائلتي ومعاملتي كمجرم خطر وتخصيص اثنين أو ثلاثة من الحرس لمرافقتي أينما ذهبت, ولكن كان علي أن أظل هادئا ً رابط الجأش.
في إحدى الليالي تم استدعائي إلى أحد مكاتب المستشفى للرد على الهاتف, ولأنه لم يكن مسموحا ً لنا بتلقي المكالمات, فقد بدا الأمر غريبا ً. وكانت المفاجأة أن أمي على الطرف الآخر من الخط. اتصلت لتخبرني أن أبي قد توفي.
كنت بالطبع مراقبا ً أثناء حديثي في الهاتف, سواء من الحرس أو من طاقم التمريض, لذا فقد توجب علي أن أحافظ على تعبيرات وجه محايدة وأن أخفي صدمتي. كنت أعلم أني لو لم أكبت مشاعري لكان هذا سيسجل ضدي, وأني لو جهرت بما وصلني من أخبار لقيدني الحرس في سرير غرفتي تحسبا ً من تنامي رغبتي في الفرار.لذا فقد جمحت مشاعري تماما ً وحزنت على فراق أبي خلف وجه جامد في الوقت الذي كنت فيه معروضا ً على طاقم من الأطباء في اليوم التالي. والذين أجمعوا على تأكيد سلامتي العقلية.
#دروس_المعتقل
#Prison_Lessons