بما أن “الحداثة” تشير إلى المنظومة الثقافية والعقدية التي ظهرت وقت ما يسمى عصر التنوير في اوروبا القرن الثامن عشر, من إعلاء شان التفكير وإعمال العقل والإنسانية وتهميش الدين في الشؤون الاجتماعية والسياسية, بالتالي عندما يسأل الكفار “هل يمكن للإسلام مواكبة الحداثة؟” يكون مقصدهم “هل يمكن لأي دين مواكبة الحداثة؟”. ويقصدون بالحداثة التفكير إعمال العقل ونسبية الأخلاق.
لا تراود هؤلاء أية شكوك حول مواكبة النصرانية لقيم “التنوير”. فهي منظومة عقدية لا منطقية ووثنية ولا ينفك نجمها يأفل منذ قرر الأوروبيون الإعلاء من شأن التفكير العقلاني. لقد هزموا النصرانية بشكل أو بآخر, والآن ليس أمام ماديتهم العلمانية من تحدٍ إلا الإسلام.
لكن تبقى مشكلتهم أن الإسلام عصي على الدحض بالتفكير المنطقي والفكر العقلاني, بل على العكس لم تسمع أوروبا بالمنطق قبل ظهور المسلمين. وكلما حاولوا إبراز العقلانية كلما انحسرت النصرانية وانتشر الإسلام. نحن من أورثناهم المنطق والتفكير العقلاني ولكنهم لم يتعلموا كيف يستخدموهما بشكل صحيح. وبما أنهم كانوا يستخدمونهما لمهاجمة منظومة عقدية تفتقر للأساس المنطقي, ظنوا أن المنطق والدين متنافران, متناسين أنهم تعلموا هذا المنطق من المسلمين الملتزمين.
هذه القيم الفكرية التي قوضوا بها أسس النصرانية هي نفسها القيم التي تنشر الإسلام بعز عزيز أو بذل ذليل. وهذا لغز يجعلهم يحاربون لحله عن طريق تقويض التفكير المنطقي مجدداً من خلال الإعلام الشعبي وثقافة الاستهلاكية الهوجاء.