نعرف جميعا أن الأحكام في الإسلام نزلت بشكل متدرج وعلى مراحل كنوع من الاستجابة للأحدث والظروف التي كانت واردة في ذلك الوقت، إلا أن اكتمال الدين لم يعد يسمح بإلغاء تلك الأحكام بسبب أي تغيير في الظروف قد تمر به الأمة، وبعبارة أخرى لمجرد أن ظروفنا قد تتغير وتشبه الفترة المكية في بعض الجوانب فليس معنى هذا أنه بإمكاننا العودة إلى الأحكام التي نزلت في الفترة المكية مع تجاهل الأحكام التي نزلت لاحقًا في المدينة.
تقيمم الأحداث المعاصرة ومقارنتها بالفترة المكية أو الفترة المدنية ثم إجراء قياس على هذا الأساس لا يعتبر من الأدلة الشرعية ولا حتى من المبادئ المستخدمة في استنباط القوانين.
أذا سرنا وراء فكرة المراحل في تطبيق القانون وجعلنا هذا الأمر أساس في سن القوانين، فلا شك أن هذا الأمر سيؤدي إلى شر مستطير.
طبعا نعلم أن الشريعة تحتوي على ما يعرف بالرخصة (وهي الحالات الاستثنائية)، وقد يتم استثناء حكم من الحكم العام نظرا لغياب الشرط أو لوجود عامل مانع.
أما ما يقال عن أن الجهاد (وهو أعظم الأعمال في الإسلام) يجب أن يتم تعطيله نظرا لضعف المسلمين أو نظرا لأنهم يفتقرون للسيطرة على أي أراضي، فمثل هذه الحجج لا يمكن دعمها بأي أدلة عقائدية، فلا يوجد أي إعفاء من الجهاد بعد أن أنزل الله الآية الشاملة التي يقول فيها في سورة التوبة:
“…انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ…” (التوبة: 41)
وقد قال سيدنا أبو طلحة رضي الله عنه عندما سمع هذه الآية: “ما أسمع الله عذرا لأحد.” (المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: 14/714)
وهذا صحيح عندما نضع في اعتبارنا أن الجهاد في أيامنا هذه يعتبر عمل دفاعي في طبيعته، أما الحجة التي تقول أننا لا يمكن أن نقوم بالجهاد لأنه ليس لدينا أي سلطان على أي أراضي فهذه حجة فاسدة، لآن حقيقة أننا لا نملك أي أراضي تحت سيطرنا هي في حد ذاتها سبب كافي لضرورة الجهاد بل وجوبيته وفرضيته حيث أنه قد تم غزونا والسيطرة علينا.
أما الحاجة الملحة بالنسبة لنا فهي ليست معرفة كيف نحرر أنفسنا بدون الجهاد، ولكنها كيفية تطوير استراتيجيات وتكتيكات الجهاد التي سوف تنجز لنا فعليا هدف التحرير والاستقلال.