بالنسبة لمسألة ما إذا كانت أرضًا ما تصنف كدار إسلام أو دار الحرب هناك اعتبارين رئيسيين بين العلماء، الاعتبار الأول هو أن الأرض تصبح دار إسلام إذا كانت تنفذ فيها قوانين الإسلام ؛ والاعتبار الثاني هو أن أي الأرض يكون المسلمين فيها آمنين لممارسة شعائرهم الدينية فيتم تضمينها كدار الإسلام.
في الاعتبار الأول هناك رأيين؛ الرأي الأول هو أن تنفيذ قوانين الإسلام يجب أن تكون على المستوى الحكومي والرأي الثاني هو أن التنفيذ يكفي أن يكون فقط على المستوى الشعبي، بمعنى أنه إذا كان الناس أنفسهم، بغض النظر عن قوانين الدولة، يمارسون شعائر الدين وينفذون قواعده فهم في هذه الحالة يعتبروا في أرض داخل دار الإسلام.
يقول ابن تيمية عن طريقة التصنيف هذه: ” فَإِنَّ كَوْنَ الْأَرْضِ دَارَ كُفْرٍ، أَوْ دَارَ إسْلَامٍ أَوْ إيمَانٍ، أَوْ دَارَ سِلْمٍ، أَوْ حَرْبٍ، أَوْ دَارَ طَاعَة،ٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ، أَوْ دَارَ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ الْفَاسِقِينَ – أَوْصَافٌ عَارِضَةٌ لَا لَازِمَةٌ، فَقَدْ تَنْتَقِلُ مِنْ وَصْفٍ إلَى وَصْفٍ كَمَا يَنْتَقِلُ الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ مِنْ الْكُفْرِ إلَى الْإِيمَانِ وَالْعِلْمِ، وَكَذَلِكَ بِالْعَكْسِ. وَأَمَّا الْفَضِيلَةُ الدَّائِمَةُ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَمَكَانٍ فَفِي الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ. وَكَوْنُ الْبُقْعَةِ ثَغْرًا لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ غَيْرَ ثَغْرٍ هُوَ مِنْ الصِّفَاتِ الْعَارِضَةِ لَهَا، لا اللازِمَةِ لَهَا؛ بِمَنْزِلَةِ كَوْنِهَا دَارَ إسْلَامٍ، أَوْ دَارَ كُفْرٍ، أَوْ دَارَ حَرْبٍ، أَوْ دَارَ سِلْمٍ، أَوْ دَارَ عِلْمٍ وَإِيمَانٍ، أَوْ دَارَ جَهْلٍ وَنِفَاقٍ، فَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ سُكَّانِهَا وَصِفَاتِهِمْ؛ بِخِلَافِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، فَإِنَّ مَزِيَّتَهَا صِفَةٌ لَازِمَةٌ لَهَا؛ لَا يُمْكِنُ إخْرَاجُهَا عَنْ ذَلِكَ.” (المصدر: مجموع الفتاوي 45-53/27)
الاعتبار الأقوى هو أن هذين الجانبين لابد أن يكونا مجتمعين: القوانين على المستوى الحكومي والتنفيذ على المستوى الشعبي، ومع ذلك لا يجب أن نكون متشددين في مسألة القوانين على المستوى الحكومي، فوجود جميع شرائع الإسلام ليس مطلوبا من أجل تصنيف الأرض كدار إسلام، وإذا كان الأمر كذلك فما كان في الإمكان أن توصف أي أرض كدار إسلام منذ تنازل الحسن بن علي عن الحكم… لا أرى هذا، فالقوانين التي تحدد تصنيف الأرض لها أهميات مختلفة وأهمها على الإطلاق هي الصلاة.
فإذا كنت لا تسمع نداء الصلاة في أرض ولا تجد المساجد فيها، فهذا يدل على أن هذه الأرض هي أرض الكفر، وإذا سمع أحد نداء للصلاة ووجد المساجد حتى مع غياب مظاهر القوانين فإن الأرض لا تزال أرض إسلام، عن أنس رضي الله عنه قال أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان فإن سمع أذانا أمسك وإلا أغار ، فسمع رجلا يقول :الله أكبر الله أكبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: علي الفطرة، ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجت من النار، فنظروا فإذا هو راعي معزى. رواه البخاري ومسلم من حديث أنس .
وقد شرح الإمام النووي وغيره أن هذا الحديث يعني أن وجود الآذان في حد ذاته كان كافيا لتحديد ما إذا كانت الأرض هي دار إسلام أو لا، فالآذان والمساجد… الخ، كلها تشير إلى أن التنفيذ الحكومي والشعبي على حد سواء يظهران أهم مظاهر الإسلام، مهما كانت أوجه القصور المتواجدة بخلاف هذا في الأرض، سواء كنا نتكلم عن ظلم الحاكم أو خطيئة الشعب فكل هذا لا ينفي تصنيف الأرض كدار إسلام.