تشابه ظروفنا الحالية مع الفترة المكية لهو تشابه سطحي ومبالغ فيه فالاختلافات بين الفترة المكية والعصر الحالي هائلة، وأهم هذه الفروق هو أنه في الفترة المكية لم يكن الوحي قد اكتمل، ولكن بمجرد أن اكتمل الإسلام وتشريعاته ووضعت اللمسات الأخيرة فلا يوجد لنا أي عودة للخلف أو أي فكاك من هذا الكمال.
لم يكن الجهاد وحده هو الذي لم شرع إلا بعد الهجرة فتقريبا مجمل الشريعة لم تكن أيضا قد اكتملت إلا بعد الهجرة، فهل معنى هذا أن كل هذه التشريعات قد تأجلت حتى نجا المسلمون من موقفهم الضعيف في مكة المكرمة وبالتالي فيمكننا أن نعطلها جميعها في أي وقت يجد فيه المسلمون أنفسهم في موقف ضعف؟
في زمن الوحي بمكة المكرمة، كان العالم كله غارقًا حتى أذنيه في الكفر والظلام، وكل المسلمين على وجه الأرض كانوا يعيشون فقط في تلك المدينة، وبالتالي فكل مسلم على وجه الأرض كان معرضًا للاضطهاد وقتها، وكل مسلم على وجه الأرض كان يمنع من ممارسة دينه، وكل مسلم على وجه الأرض كان مظلوما وفي حالة ضعف، فمهما تصورنا من صعوبة وضعنا إلا أنه لا يمكن ولن يمكن أبدا أن يكون في مثل سوء سيناريو للإسلام في أوله، لماذا؟ لأننا نعرف من نبينا أنه: “… لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق…”
من المهم أيضا أن أذكر أنه من غير الصحيح ومن الخطورة بمكان أن نقول أن المسلمين ليس لديهم “مكان خاص بهم”، أو أن نقول مباشرة أنه لا يوجد “دار إسلام” من الأساس على ظهر الأرض في هذا الوقت، فوجود الظلم في بلاد المسلمين لا ينفي أنها أراضي المسلمين، وغياب التطبيق الكامل لأحكام الشريعة الإسلامية لا ينفي أيضا أنها أراضي المسلمين، كما أن وجود الإثم والمعصية لا ينفيان أيضا أنها أراضي المسلمين.
ومن الواضح أيضا أنه هناك استبداد وهيمنة أجنبية، وأنه يوجد ضعف وعجز، ولكن كل هذه الأمور موجودة بدرجات متفاوتة وكانت موجودة دائما بدرجات متفاوتة من وقت لآخر ومن مكان إلى أخر، ولكن شيء من هذا لا يغير مسؤوليتنا في التمسك بالشريعة الإسلامية بجميع جوانبها بدون أن يتسبب أي من هذا في تعطيل الشريعة أو إيقاف تنفيذها… لا يمكن أن يجعلنا أي شيء من كل هذا أن نعود إلى إصدار الإسلام فيم قبل المدينة المنورة ولا أن نعتمد أي منهجيات تم نسخها.