مؤخرا أثار أخ قضية المواثيق والعهود التي أصدرها المسلمون لمنح الكفار الحماية في بلاد المسلمين ومنع العدوان عنهم أو عن ممتلكاتهم، ويتساءل هذا الأخ عن شرعية استهداف الشركات متعددة الجنسيات والاستثمارات الأجنبية طالما أنهم يعملون في ظل مثل هذه العهود والمواثيق!!
هناك رأيا شائعًا بأن تأشيرات السفر الحديثة تماثل عهود الأمان في الشريعة، وليس من الضروري أن اتفق مع هذا الرأي، ولكن دعونا نستعرضه من باب النقاش.
فالسؤال الأول هنا، وكما يبدو لي، حتماً يتعلق بصحة هذه العهود، فإن واقع المعطيات لدينا يقول أن هناك القليل من الخيارات المتاحة للدول إن كانت تريد أن ترفض إصدارها، فمثلا مواطني الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وكندا وأستراليا وروسيا وغيرهم يتم منحهم جميعاً التأشيرات فور وصولهم إلى مصر والسبب في ذلك، وبصراحة تامة، هو أن مصر ليست في وضع يسمح لها أن ترفض وبالتالي فهي لا تمنح هذا “العهد” طواعية واختيارًا، وهذا السبب وحده كافي لبطلان صحة العهد، ففي حقيقة الأمر هذا العهد تم منحه من الكفار إلى أنفسهم وتم ختمه من قبل النظام الذي يسيطرون عليه.
القضية الأخرى المعروضة هي أن التأشيرات الصادرة فور الوصول لا تعتبر اتفاق متبادل؛ حيث أن المستفيد من التأشيرة لا يقدم أي إعلان عن سلامة نواياه كما أنه ليس من الضروري أن يتعهد بالانصياع للقانون و لا يتوجب عليه وعد بعدم العداء، وليس عليه مواجهة أي ظروف أيًا كانت.
فإذا كان هذا هو الحال فإن منح “عهد الأمان” لا يشمل أي قيود على سلوك حاملي التأشيرات وكأننا تعهدنا له بالسلامة دون أي قيد أو شرط وبالطبع هذا أمر مرفوض، علاوة على ذلك فإننا لو قبلنا بأن التأشيرات تعتبر إصدار حديث لعهود السلامة والأمان بالشريعة فبالتالي يتوجب علينا تحديث تعريفاتنا لما هو “العداء والعدوان”.
والشركات متعددة الجنسيات أو المستثمرين الأجانب الموجودون بمصر لمزاولة أعمالهم وأنشطتهم صراحة هم موجودون لنهب موارد البلاد واستغلال القوى العاملة واضعاف الاقتصاد المحلي وخلق الديون والتبعية، فهل مثل هذا جدير بميثاق للسلامة والأمان لمجرد أنه من الذكاء ليستعبد “العمالة” أم لأنه يدمر الأعمال التجارية المحلية والصناعة تحت شعار “تحرير السوق”؟
بلى، إن هذا هو العدوان… الاستعمار… والإمبريالية، وهؤلاء هم جنود في الحملة الصليبية الاقتصادية لغزو واحتلال واستعباد العالم الإسلامي. أما حملهم للتأشيرة فلا يمنحهم الحق في السعي بهذا النهج الوحشي دون عواقب..