جاء رجلان يختصمان عند النبي صلى الله عليه وسلم في قضية فقضى لأحدهما، فلما خرج قال المقضي عليه الذي حُكم عليه: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إياك والعجز وعليك بالكيس، فإن الله يلوم على العجب ويحب الكيس» يعني: الفطنة والاحتياط، ثم قال: «فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل». (سنن أبو داوود)
ما نفهمه من هذا الحديث هو أن كلمة “حسبي الله ونعم الوكيل” قد تقال بشكل يغضب الله!
فهل تكون جادًا عندما تقول “حسبي الله ونعم الوكيل”؟ وهل تقصدها فعلا؟ لأن هذا الأمر قد يكون عظيمًا عند الله وسيأخذه الله بشكل جاد حتى وإن لم تأخذه أنت، فأنت عندما تعلن أن الله يكفيك، فإن الأمر لم يعد متعلقًا بك بعد هذه الكلمة، ولكنه أصبح متعلقًا بالله.
وحتى يثبت الله لعبده أنه فعلا يكفيه فسيقوم بعمل أشياء خارقة، وهو لا يفعل هذه الأشياء من أجلك، ولكنه يفعلها لأنك عندما تقول “حسبي الله ونعم الوكيل”، فأنت وكأنك تصدر بيانًا عن الله، بيانًا عن قوته وعظمته، وأنه سبحانه وتعالى سيثبت صحة ما تقوله.
ولكن عليك أن تقصد هذه الكلمة عندما تقولها، وعليك أن تكون جادًا في قصدك، ولكن كيف تعرف إن كنت جادا أو لا؟ حسنا، الإجابة موجود في هذا الحديث المذكور أعلاه… “حسبي الله ونعم الوكيل” لها شرط أساسي، وهو شرط لابد أن يسبقها، قبل أن يأخذها الله على محمل الجد.
هذا الشرط هو أنه قبل أن تقولها لابد أن تكون حاولت قصارى جهدك، ولابد أن تبذل قصارى جهدك هذا وأنت تواجه التحدي بمنتهى الذكاء والقوة والطاقة والشجاعة بالقدر المستطاع لك، فإذا فعلت هذا كله وفشلت، وإن حاولت كل شيء يمكن أن يتاح لك، واستنزفت كل طاقة عقلك وبدنك، في هذه الحالة يمكنك ثم تقول “حسبي الله ونعم الوكيل”، وهنا سيحملها الله على محمل الجد لأنك أثبت أنك حاولت أقصى ما لديك.
نحن جميعا نعرف الحديث الخاص بتغيير المنكر باليدين، وإن يكن فباللسان وإن لم يكن فبالقلب…. إخوتي وأخواتي، بداخل كل التزام يكمن تحذير من إهماله، أو التقصير تجاهه، أو القيام بأقل مما هو مطلوب.
يقول لكم نبيكم ﷺ، “..فإن الله يلوم على العجب…”، أي يلوم على الجهد غير الكافي، فإن كنت تستطيع تغيير المنكر بيديك، يكون اللسان غير كافي، وإن كنت تستطيع أن تغييره بإدانته يصبح تغييره بقلبك غير كافي، أن تقوم بعمل أقل مما هو مطلوب شيء غير مسموح به في المعركة ضد الشر والظلم والطغيان وغياب العدل… ما عليك به هو قصارى جهدك.
فهل تعتقدون أن قصارى جهدكم سيكون أي شيء أقل من أن المخاطرة بالسجن؟ هل تعتقدون أنه سيعني أي شيء أقل من المخاطرة بالموت؟ هل تعتقدون أنه سيعني أي شيء أقل من وضع حريتكم وحياتكم على المحك؟ إن كنتم ترون غير هذا فأنا لا أعرف كيف تفهمون القرآن! ابحثوا لي عن مثال للأنبياء أو الصحابة وهم يقولون “حسبي الله ونعم لوكيل” بينما حياتهم ليست على المحك فعلا! أو يقولونها وهم ليسوا وجها لوجه مع الموت الوشيك، أو عندما لم يكونوا على استعداد لسفك دمائهم والمخاطرة بكل شيء لديهم لجعل كلمة الله هي العليا.
هل فعلت أقصى ما لديك؟ هل كنت مجتهدًا وذكيًا وبذلت أقصى جهدك في مصر؟
هل تعتقد أن النزول الى الشوارع مع اللافتات وترديد الهتافات يكفي؟ هذا ليس أكثر من أنك تطلب من الظالم أن يتوقف عن ظلمك وقهرك، فأنت بهذا الشكل لا تحاربه، لا تسبب له ضرر، لا تعطل هيكل السلطة الذي سحقك واستعبدك واستعبد أولادك.
هل خاطرت بالسجن؟ نعم، بالتأكيد أنت تفعل هذا، ولكن لماذا؟ هل تخاطر بالسجن من أجل القيام بجهد غير كاف، لأنك تعرف وأنا أعرف، والله سبحانه وتعالى يعلم بالتأكيد، أنك لن تحرر نفسك بمجرد أن تطلب من الظالم أن يكون عادلا معك، أو منصفًا، أو أن يعطيك حريتك.
الجميع يعرف أن هذا لن ينفع في شيء!
لن ينفع لأن الحاكم الظالم في مصر ليس هو المسئول الحقيقي، انه ليس في وضع يسمح له أن يعطيك ما تريده، لأنه هو نفسه مجرد عبد مثلك، فمصر تم دمجها في هيكل إمبراطوري عالمي واضح المعالم والسلطة، امبراطورية هرمية.
السيسي ليس هو الجزء العلوي من هذا الهرم، فصندوق النقد الدولي أعلى منه، والبنك الدولي أعلى منه، والشركات متعددة الجنسيات والمستثمرين الأجانب هي التي تقبع حتى فوق صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
في أعلى هرم السلطة الإمبراطوري، هناك المساهمين، وأصحاب رؤوس الأموال العالمية، هؤلاء هم حكام مصر وهم لن يستمعوا إليكم، لأنهم لا يتحدثون لغة الذوق أو الأخلاق أو المبادئ، ولا يتحدثون لغة الحقوق الاجتماعية والسياسية، اللغة الوحيدة التي يتحدثونها هي لغة المال والأرباح، ولا يفهمون المطالب، وكل ما يفهمونه هو العواقب.
محلاتهم التجارية ومكاتبهم ومرافقهم، كلها حولكم في كل مكان، فهل بذلتم أقصى ما لديكم؟
شاحناتهم وسياراتهم وحاويات النقل الخاصة بهم تمر أمامكم كل يوم، ومكاتب شركاتهم ومستودعاتهم ومصانعهم ومراكز توزيعهم ما هي إلا خزائنهم التي تحتوي على ثرواتهم وقوتهم، وهي في كل مكان حيث نظرتم، فهل فعلتم أقصى ما لديكم؟
ترونهم يحملون ويسلمون وينقلون بضائعهم على نفس الطرق التي تستخدمونها… وهم لا يختبئون لأنهم ليسوا في حاجة للاختباء، فهم يعرفون أنكم حتى لا تنظرون إليهم، فقط هم يجلسون هناك ليكدسوا الأرباح كل يوم من قهركم وبؤسكم… نعم، ولهذا السبب أنتم مضطهدون… فهل بذلتم أقصى ما لديكم، بينما تعمل قوى الهيمنة الإمبريالية بحرية ووضوح من حولكم؟
السيسي لا يستطيع أن يتحداهم، ولا يستطيع أن يرفض لهم طلبًا، ولن يفعل هذا أبدا… فهو يستطيع أن يخاطر بخسران دعمه الشعبي، لأنه لم يكن له يوما على أي حال، ولكنه لا يستطيع أن يخسر دعم أسياده، فإذا ألحقتم الخسارة بسلطة الشركات، وأصبحت الطريقة الوحيدة لاستعادة ربحيتهم هي الامتثال لمطالبكم، وسيتمثلون بكل تأكيد، هنا سيفعل السيسي ما يملى عليه، وإن لم يفعل فسيختفي.