أي منظمة تكون في حاجة إلى تمويل (وأنا هنا لا أعرف إذا كان هناك شيء ما اسمه منظمة ليست في حاجة إلى تمويل)، سواء كنا نتحدث عن مؤسسة إعلامية، أو مؤسسة تعليمية، أو حزب سياسي، يجب أن تتحول إلى منظمة ذات طبيعة ازدواجية بشكل أو بأخر.
فالغرض من وجودها سواء كان نقل الأخبار والمعلومات للجمهور، أو تثقيف الطلاب، أو خدمة الناخبين، سينحرف لا محالة بسبب احتاجها الأزلي للتمويل، فالصحف والقنوات التلفزيونية تعتبر مدينة للمعلنين، والمدارس تعتبر مدينة للمؤسسات الخاصة والشركات، والأحزاب السياسية تعتبر مدينة للجهات المانحة… وكلمة “مدينة” هنا تعني أنها تخدم مصالحهم، وهذا شيء لا مفر منه تقريبًا… الخيانة المؤسسية للناس الذين أنشئت المؤسسات من أجل خدمتهم تعتبر شيء مدمج ومتضمن في صميم نظام عمل هذه المؤسسات.
في الولايات المتحدة على سبيل المثال، إذا كنت تعتبر نفسك ديمقراطي أو جمهوري، وإذا كنت موالي لهذا الطرف أو ذاك، فأنت بحاجة إلى الاعتراف بأنك موالي لممولي هذا الحزب وتدعم جداول أعمالهم، وأنا أعتقد أن معظمنا لا يوافق على موالاة أو دعم مثل هذه الأجندات، لذلك فمن الأفضل لك أن تنأى بنفسك عن هذا الحزب أو ذاك.
تشكيل المنظمات من قبل مجموعة من المهتمين بخدمة قضية ما يعتبر فخ، فالنظام يكون كالآتي: بمجرد أن يتم تشكيل منظمة لخدمة هذه القضية، يتم فورًا إخضاعها لمصالح الرعاة الذين يمولون هذه المنظمة، وهذا يحدث في كل حركة اجتماعية كبرى أعرفها، بدأ من حركة الحقوق المدنية مرورًا بالحركة العمالية، وحتى داخل الحركة الإسلامية، وهذا لا يعني أن منظمات هذه الحركات تعتبر عديمة الفائدة، ولكنها فقط، وكما قلت، تعتبر مخترقة وازدواجية.
عندما تتحول الحركات الاجتماعية إلى منظمات، فإنها تتوقف عن الحركة، وعندما تتحول تنظيمات القاعدة الشعبية إلى مؤسسات غير الحكومية، فإنها تتوقف عن التنظيم وتتحول إلى السيطرة، فالنخب التي تعتبر وحدها قادرة على توفير الموارد اللازمة لتمويلها، تشجيع تشكيل هذه المنظمات، لأنها تضع بذلك آلية للسيطرة والتلاعب وإخضاع الحركات الشعبية التي من شأنها أن تهدد مصالحهم بخلاف ذلك.