مزيد من الضوء من زاوية مختلفة:
القوة الأميركية ليست في تراجع، بل هي لا مثيل لها وآخذة في الازدياد! الاقتصاد الأمريكي ليس فقط الأكبر في العالم، ولكنه بلا أي منافس ولو حتى من قريب، حقيقي أن الصين ثاني أكبر اقتصاد ولكن هذا السرد خادع بعض الشيء، لأن الاقتصاد الصيني تقريبًا نصف حجم الاقتصاد الأمريكي، إذا فالمتسابق الثاني ليس حتى قريب من المتسابق الأول.
وعلاوة على ذلك، فإن الاقتصاد الصيني يعتمد إلى حد كبير على الاقتصاد الأمريكي، والصين مزدهرة لمجرد لأنها مركز صناعي للشركات الأميركية حيث تنتج السلع للمستهلكين الأمريكيين، فازدهارها في النهاية يعتمد اعتمادًا كليًا على النشاط الاقتصادي الأمريكي.
كقوة، نجد أن الصين تشتري لنفسها النفوذ في مختلف أنحاء العالم، ولا سيما في أفريقيا، وذلك من خلال المساعدات المالية والاستثمارية، فتقدم للبلدان النامية بديلًا لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ومع ذلك فإن القوة العسكرية الأمريكية في إمكانها أن تحطم بسهولة هذا التأثير، وهذا هو السبب الرئيس لوضع البرنامج العسكري (أفريكوم – AFRICOM) في إفريقيا، تماشيا مع الرؤية الاستراتيجية لحلف شمال الأطلسي الذي عَرَّف مشاركة الصين التجارية في أفريقيا على أنها “مساعدات لأغراض دنيئة” أو “أسلحة متخفية في صورة أموال” تدفع بغرض تهديد المصالح الأمريكية.
أما روسيا، التي يتم عرضها وهميًا في بعض الأحيان كمنافس للولايات المتحدة، هي بالكاد ضمن العشر اقتصادات العالمية الأوائل، وقد تدخلت روسيا في سوريا على وجه التحديد لأنها أصبحت معزولة لدرجة أنه أصبح لها تأثير ضئيل جدًا في المنطقة.
في الواقع، فإن روسيا تفقد نفوذها في منطقتها، فجورجيا تندمج مع الغرب، وأذربيجان تتحدى موسكو حول نزاع إقليم ناجورنو قره باغ، وبطبيعة الحال فإن ضم روسيا لشبه جزيرة القرم خلق عداء أوروبي تجاهها، وأما تركيا فلم تتردد في تأكيد سلطتها ضد الاستفزاز الروسي، إذا فروسيا فعلا في تراجع لا في هيمنة، وتصبح أكثر عزلة لا أكثر تأثيرًا.
أما وقد قلت هذا، فأنا أرى أن القوة الأميركية لا تزال مهيمنة ولا مثيل لها، إلا أن القوة الأميركية ليست، بالمعنى الدقيق للكلمة، أمريكية حاليًا… فهي أداه في يد قوة الشركات متعددة الجنسيات التي ليست لها أية ولاءات قومية، فالقوة الأميركية لا تخدم المصالح الأمريكية حقيقة، ولكن تم حشدها لحماية وتعزيز مصالح الشركات … أو بشكل أكثر تحديدًا، مصالح القلة من فاحشي الثراء، وكون معظم أغنياء العالم أمريكيين فهذا هو العنصر القومي الوحيد في هذه المعادلة.
لذا، فأمريكا كأمة في أفول وتراجع، أما كقوة فهي لا تزال بلا منازع.