سبيل التقدم
كيف نجد السبيل الوسط بين نشر الإسلام ومحاولة الدفاع عن الإسلام والمسلمين؟ يبدو لي أن هذا هو السؤال الأهم الذي نواجهه.
فمن ناحية علينا أن نقدم صورة مشرفة لديننا ونحافظ على الصورة البراقة لنبينا صلى الله عليه وسلم، أن نتعامل مع الكفار وندعوهم للإسلام بالحكمة والرفق وأن نكون مثالًا مشرفًا على كيفية أن يكون المرء مسلمًا، ومن ثم علينا أن نتحلى باللين والرحمة والصبر.
ومن الناحية الأخرى نحن واقعون تحت هجوم غاشم، إذ يقتلوننا بالتحكم عن بعد ونحن داخل بيوتنا أيًا كانت مواقعها وحتى إذا كانت نساؤنا وأطفالنا معنا وحتى لو لم تكن لنا علاقة بأي أنشطة جهادية… يقصفون مستشفياتنا ومدارسنا، ويجوعوننا في غزة في سوريا في العراق، ويضطهدوننا في دول الغرب ونتعرض لإرهابهم يوميًا ويهيمنون علينا عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا ومن خلال حملات الدعاية الإعلامية.
فكيف إذًا يفترض بنا الرد؟ هل نرد بالتوقف عن الدعوة؟ أيفترض بنا قتل الأبرياء منهم كما يقتلون أبريائنا؟ أيفترض بنا تكريس أنفسنا حصريًا للثأر لمعاناة وقتل ذوينا.
ليست الإجابة – في رأيي – بالتعقيد الذي قد يخطر ببالنا.
كما كتبت كثيرًا من قبل، فإن بنية السلطة العالمية (أي النخبة الحاكمة في الغرب في كل من الحكومة والقطاع الخاص) لا تحفل بحياة العامة من شعوبها. فمهاجمة المدنيين في الغرب لا تؤثر بأي شكل على كبح عدائية السلطة وهجوميتها، والسنوات الخمس عشر الأخيرة تثبت هذا – في رأيي – بما لا يقبل أي قدر من الجدل العقلاني.
علاوة على ذلك، فشعوب الغرب (رغم دعاوى الديمقراطية) ليست هي محرك السياسة. لا ريب أن السياسات التي تسعى لها السلطة تظلم عامة الشعب دائمًا، فيفقرونهم ويحبسونهم ويتجاهلون حاجتهم للأمن الحقيقي ويهمشونهم. فبنية سلطة الشركات الاستعمارية هي عدو لنا جميعًا.
جهادنا لحماية أنفسنا وديننا يحتاج أن يكون دقيقًا وفعالًا وموجهًا وكذلك (الأكثر أهمية) يحتاج شرحًا دقيقًا ومؤثرًا كالهدف منه. علينا أن نوجه اهتمامنا لصناع السياسات ومصالحهم ونترك عامة الناس وشأنهم. علينا أن نتمكن من مخاطبة عامة الناس قائلين “هذا ما يفعلونه بنا وهذا ما يفعلونه بكم، نضالنا موجه لهم لا لكم وفي الحقيقة عليكم أنتم أيضًا أن تناضلوا ضدهم.”
علينا كذلك أن نشرح ما يعنيه الإسلام السياسي وما معنى الحكم الإسلامي وما المقصود بالشريعة وما نوع المجتمع الذي نحاول تأسيسه ويتم إنكار حقنا في الوصول إليه.
قبل أن ترد قائلًا “لن يرضوا عنا حتى نتبع ملتهم” وتبدأ في تلاوة الآيات الخاصة بكراهية الكفار للإسلام، تذكر أن كل ذلك كان واقعًا في حياة نبينا صلى الله عليه وسلم ولم يمنع الناس من اعتناق الإسلام. علينا أن نفرق بين من ينشطون في معاداة الدين وبين المغيبين، أي ضحايا الاستغلال والجهل الإجباري… بين المكرسون لإنكار الإسلام والمستعدون للاستماع.
لماذا برأيكم تتلهف وسائل الإعلام لتلطيخ سمعة الإسلام وتقديم صورة للمسلمين أسوأ من صورة القتلة المتسلسلين؟ السبب تحديدًا هو أنهم يعلمون أن عامة الناس يعيشون في ظروف تجعلهم على استعداد للاستماع. فهم يعانون ويشعرون بالعجز والإحباط والخوف واليأس من إيجاد الحل، لذا بالطبع يجب أن يتم تشويه الدواء الناجع في عقولهم وأن يتم إبعاده عن تفكيرهم وأن يتم إبقاؤهم عبيدًا لدى أصحاب الهيمنة.
أبدًا لم تكن زيادة الكراهية نحو الإسلام سبيلًا للتقدم يومًا، وأي شخص يملك فهمًا ولو سطحيًا للقرآن والسنة سيدرك هذا على الفور. كما لم تكن أبدًا الهجمات العشوائية ضد المدنيين سبيلًا للتقدم، وأي أحد يملك مهارة بدائية في التحليل الاستراتيجي والتقييم سيدرك هذا على الفور.
يمكننا الدفاع عن أنفسنا ضد عدوان بنية السلطة، ويمكننا محاربة من يحركون السياسة، ويمكننا كسب الكثير من القلوب والعقول بين عامة الناس، وهذا هو سبيل التقدم.