التعزير التعسفي
من المقبول بشكل عام أن يفرض الحاكم عقوبات التعزير على الجرائم التي لا نص بإقامة الحد على مقترفها ولا كفارة. وكما قال ابن القيم للذنوب أنواع ثلاثة: التي لها حد دون كفارة والتي لها كفارة دون حد والتي لا حد لها ولا كفارة. وقد منح هذا الأمر للحكام فسحة واسعة لتطبيق العقوبات المبتدعة على المعاصي التي يتضمنها الصنف الثالث، وهي منطقة رمادية من قانون العقوبات. إلا أننا لا نجد فيما يخص تلك المعاصي في الحديث الذي رواه عبد الله بن مسعود أي سند للمعاقبة عن المعاصي التي لا حد فيها ولا كفارة، بل يشير الحديث إلى أن الصلوات الخمس وإظهار التوبة بالعمل الصالح هو في ذاته كفارة عن الذنوب التي ليس لها عقوبات واضحة في التشريع.
“خلا رجل بامرأة فقبلها ثم أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بأمره، فأنزل الله آية: “وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ…”** (أي الذنوب الصغيرة). وسأل الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما إذا كان هذا الحكم ينطبق عليه وحده فأجابه صلى الله عليه وسلم :”لك ولمن عمل بها من أمتي” رواه البخاري ومسلم.
هذا لا ينفي صحة التعزير فهناك أمثلة محددة طبقها رسول الله صلى الله عليه وسلم بشكل تقديري، لكن يجب أن نأخذ في اعتبارنا الشروط التي تُشَرْعِن تلك العقوبات. بشكل أكثر تحديدًا هل تمت مقارفة الذنب علنًا؟ هل له أثر تدميري على المجتمع أم فقط على من ارتكبوه؟ هل انتشر هذا الذنب ووجدت الحاجة إلى الحد منه بتعزير فاعليه؟ وعلاوة على ذلك هل سيؤدي تطبيق التعزير إلى مفاسد أكثر من المصالح كتغريب الناس واستعدائهم على الحكومة لأنهم رأوا العقوبة أكثر عنفًا من اللازم.
حتى في إقامة الحدود فقد حضنا صلى الله عليه وسلم أن نجنح إلى التساهل وأن نفعل ما يمكن لتفادي تطبيقه. أخشى من الكثير من إخواننا التواقين لدولة إسلامية أن يجرفهم حماسهم الزائد لتطبيق الحد وتنفيذ التعزير هنا وهناك على أي فعل يرونه من الذنوب، فهذا في رأيي موقف يحمل في طياته فشل الحكم الإسلامي حتى قبل أن يظهر للنور.
** (سورة هود: 11)