لا يمكنك ادعاء أن الآليات الديمقراطية معيبة لأنها قد تمنح الفرصة للرعاع أن يفرضوا إرادتهم في قضايا لا يملكون أي فهم عنها. فأولًا هذا قصور في منظومة التعليم وليس السياسية. وثانيًا – في بلاد مثل أمريكا والمملكة المتحدة – يتم تجريف الوعي بين العامة بشكل متعمد. كان لكلا البلدين تاريخ مع الجموع المليئة بالحيوية والوعي والمسيسة بامتياز بفضل النقابات العمالية النشطة ومؤسسات المجتمع المدني المكرسة لنشر الوعي بالقضايا الحيوية بين الناس.
إلا أن ذلك النوع من المنظمات والجماعات تعرض للهجوم في الستين إلى مائة سنة الأخيرة, مما أدى إلى أنها أصبحت بالكاد حاضرة في يومنا هذا. ناهيك عن أن الإعلام سواء الشعبي أو ذلك المرتبط بالشركات يعمد دومًا لتشتيت وإبعاد الشعوب عن السياسة لتحييد التهديد المحتمل الذي يمثلونه على سيطرة النخبة والتي من خلالها تحافظ النخبة على امتلاكها لآليات الديمقراطية حفاظًا على نفوذها.
إلا أن أيًا مما سبق لا يمكن التحرر منه, إذ تستطيع الشعوب ألا تكون مطية.
الحقيقة الجديرة بالذكر أيضًا هي أن – أيًا كان نظام الحكم في بلادكم – عليكم مشاركة الجماهير نضالها. فأي حكومة سواء كانت ديمقراطية أم لا عليها دومًا أن تحظى برضا المحكومين. ببساطة لأن الناس دومًا لديهم القدرة على إزاحتها. ويمكنكم استدعاء ما حدث لأمير المؤمنين عثمان بن عفان.
إذن فليست المشكلة أن آليات الديمقراطية تمنح الفرصة للرعاع, بل المشكلة أن الظرف الملائم للآليات الديمقراطية كي تعمل بفاعلية هو أن يمتلك الناس الوعي. غير أن هذه ليست مشكلة قاصرة على النماذج الديمقراطية من الحكم وحسب. ففي أي مجتمع عندما يبقى الناس في جهل فهذا على الأرجح يعني فساد الحكومة. أما لو كانت حكومة طيبة فلن تصمد أمام شعب جاهل. لا علاقة للأمر بالنظام السياسي.