هل هذه أسلمة للمافيا؟
إن كلمة “مافيا” ليست ايطالية أو صقلية، فالحقيقة أن المافيا الإيطالية تشير إلى نفسها على أنها “لا كوزا نوسترا” أو “الشيء الخاص بنا” — لقد كان هناك دائما تكهنات حول أصل الكلمة، والروايا الأكثر إقناعا برأيي، هي أن الكلمة لها أصول عربية.
بعد حكم صقلية لأكثر من مائة عام، واجه المسلمون تمردًا مسلحًا أدى إلى الاطاحة بسلطتهم في النهاية. وواجه المسلمون في صقلية قدرًا كبيرًا من الاضطهاد والتمييز جعلهم يقومون بتشكيل مقاومة منظمة، وكنوع من محاولة التصدي لسطوة المسيحين في صقلية رأوا أن يقوموا بتشكيل عصابات.
كان العمل الأساسي لهذه العصابات هو مهاجمة التجار المسيحيين وحرق متاجرهم، ونهب إمداداتهم، ونفس العصابات التي تنفذ هذه الهجمات كانت تقوم بإرسال إي شخص مجهول من عندها إلى التجار لتقديم الحماية ضد المخربين المسلمين فيقولون لهم شيئا من هذا القبيل :”إن ما حدث لمتجرك أمر مخذي، وكما تعلمون إنه من الصعب للدولة أن تقوم بحمايتكم من العصابات الهمجية، وبالرغم من ذلك فإننا قمنا بتنظيم مجموعات من شأنها أن تضمن تأمين متجركم منذ هذا الحين، كما أننا على دراية بكيفية التعامل مع هؤلاء السفاحين وذلك مقابل مبلغ من المال، وسنكون على استعداد لتقديم الحماية، لضمان تمكنكم من العمل في آمان وطمأنينة و”عافية”، ومن هنا جائت كلمة “مافيا”، مشتقة من كلمة باللغة العربية تعني الرفاهية. وكانت هذه بداية ما حدث فيما بعد بما يسمى بـ”إبتزاز الحماية” والبلطجة.
لقد علمت بشأن الصفحة المصرية الجديدة وما تحمله من إسم نظراً لعدم وجود كلمة أفضل والتي تعمل على حل مظالم الناس بأشكال مختلفة من الترهيب والبلطجة، كالتي ذكرتها في منشوري هذا، ويبدو أن الصفحة تم حذفها من قبل الفيسبوك، ولكن على ما يبدو أنها قد لاقت استجابة واسعة النطاق، فعشرات الآلاف من الناس قدموا شكواهم وطلبوا المساعدة، وآخرون كانوا يعرضون خدماتهم على المجموعة الجديدة، لذلك أنا واثق من أننا سوف نسمع عنهم مرة أخرى.
ويوجد احتمالين من التطور وهو إما أن يكون تطور إيجابي للغاية، أو أن يكون خطيرًا، كما تطورت مافيا صقلية، لمجرد أن الفكرة في النهاية تم الإقرار بها من قبل الصقليين غير المسلمين بصقلية، فانتهت الفكرة بـ”إبتزاز الحماية” ليكون ردا على الاضطهاد الديني؛ وبدأت المافيا تصور نفسها على أنها حكومة ظل، أو حكومة موازية، والتي بدت أكثر شعبية وأقل بيروقراطية، وأكثر كفاءة في حل شكاوى من لجأ لمساعدتهم. كما كانت أيضًا بالطبع، فاشية وجشعة وهمجية.
فمن المنطقي أن الاضمحلال الحكومي والذي تتسبب فيه النيوليبرالية، يحتمل أن يخلق نوعًا من الفراغ حيث البديل لسلطة غير رسمية تفرض نفسها محليًا. ومن الممكن أن يعود ذلك إما بالمنفعة أو بإشكالية كبيرة… فالمافيا في النهاية وحشية وهمجية ولا تخضع لأي ُمسَاءلة.
وبصرف النظر عن الخطورة الواضحة للتنظيمات، فإن هناك مشكلة أخرى مع هذا النوع من الظاهرة في مصر. وهي انها في حال وجود مثل هذه المجموعة من الأساس لحل مظالم الأفراد (ونحن لا نعرف إلى أي مدى سيتم التحقيق في تلك الشكاوى)، فهذا يمكن أن يؤدي إلى مزيد من تدهور التماسك الاجتماعي وتدهور التضامن الثوري ضد النظام وهيكل السلطة القائم فعليا لاستعمار الشركات، أوبعبارة أخرى أنه لن يمنع الشركات متعددة الجنسيات والمستثمرين الأجانب من الأستمرار بما يقومون به، وسيبقى النظام في مكانه كأداة لإدارة رأس المال العالمي، وسيتضاعف عدد السكان المنشغلين في أنفسهم بنزاعات شخصية عرضة للتفتت.
إذا كان من الممكن تنظيم مجموعات حراسة أمنية للتصدي للبلطجية والفتوات من ارتكاب مخالفات، فأنا لا أرى سبب لعدم إمكانية تكوين مجموعات مثلها مخصصة للتصدي لبلطجة الأفراد والمؤسسات من النظام الامبراطوري للشركات من أجل تحرير المجتمع بأكمله، وليس لمجرد فرض الانتقام الشخصي في حالات معينة ذات أثر اجتماعي محدود.