التغيير لا يعني بالضرورة التطور أو النشوء… ولا يعني بالضرورة التقدم أو النمو.
التدهور تغيير! والتفكك تغيير! والتحول من الحق إلى الباطل تغيير! إذا ليست أي حركة تعتبر تقدم.
الشباب (وغير الناضجين من المتقدمين في السن) في الغالب لا يراعون هذه الفروق الواضحة. يقال لنا أن التغير المستمر الذي يطرأ على مفهوم الحق والباطل لهو السمة المميزة للنمو الفكري والأخلاقي، وأن هذا هو أساس “الفكر الحر”. فليس معنى أن أجدادنا اعتقدوا أن بعض الأمور “صحيحة” أننا يجب أن نقبل حكمهم هذا، لأنه مع مرور الوقت وبالخبرة سنصبح أكثر استنارة مما كانوا هم عليه، وبالتالي فعلينا أن تجاهل هذه الأفكار البالية، حتى نشعر بأننا تحررنا فكريا، وهكذا يقال لنا أن هذا التخلي عن المفاهيم المسبقة للفضيلة يدل على نضج المجتمع البشري.
قد نشعر أن هذا الأمر يجعل منا مفكرين مستقلين، أو يجعل منا أشخاص فريدة من نوعها، ولكن حقيقة الأمر هي أن هذا شيء عادي وعام جدا، فالقبول بأي شيء وكل شيء والإقراب به لا يتطلب منا أي براعة فكرية، كذلك بالنسبة لتجاهل الأعراف الاجتماعية والمفاهيم الأخلاقية المتواجدة منذ حين لمجرد أنها متواجدة منذ أمد طويل… فهذا يعتبر نقص الفكري، وليس تفوق، ونحن لا نقبل بهذا النوع من التهور في أي مجال أخر. فالمهندس المعماري الذي يشكك في أهمية أعمدة الدعم التي تحمل وزن أي هيكل لا يمكن أن يوصف بأنه “مفكر حر”، بل سيسخر منه الجميع لأنه أحمق. نفس الشيء بالنسبة للطبيب الذي يرفض النظافة والتعقيم كشروط أساسية لإجراء العمليات الجراحية لمجرد أنها أمور ذات طراز قديم، لا شك أن مثل هذا الطبيب سيتم نبذه بسبب جهله! أي تقدم في أي تخصص علمي يُبْنَى على ما تم تأسيسه من أمور موثوق بها وأمور تم اعتبارها صحيحة من قبل المفكرين الأحرار والممارسين لنفس التخصص من الأزمان السابقة، ولا يبنى أبدًا بالتخلي عنها.
النسبية الاخلاقية للغرب، والتغيير المستمر في تعريفاتهم “للصواب” و”الخطأ” تدل على الجهل وعدم النضج، كما تدل على أن حسهم بالحكم الأخلاقي لهو جدير بأن يوصف بالجمود لا بالاستنارة.
في الإسلام، إذا أخذنا البناء كاستعارة، سنجد أننا ظللنا نبني هياكل قوية وثابتة لعدة قرون، ثم جاء الغرب ليخبرنا أن تصاميمنا عفا عليها الزمن وأننا ينبغي أن نعتمد نهجهم، رغم أنهم لم يتمكنوا من بناء أي هيكل قادر على البقاء ولو حتى لجيل واحد.