حتى لو كان دولة تسمح قانونا بممارسة أعمال محرمة ولا تعاقب عليها، فهذا لا يعني بالتالي أن الدولة كافرة كفرًا بواحًا، طالما أنها تتمسك بالشريعة الإسلامية كمصدر أعلى للقانون، فهي بهذا تعترف ضمنا بأن السماح بالأعمال المحرمة يعد انتهاك، تماما مثل المسلم عندما يرتكب خطيئة وهو مُقِر بأنا خطيئة، وبالتالي هذا لا ينقض إسلامه. فإذا كانت الدولة، وهي في هذا مثلها مثل الفرد، لا تعترف بأن الذنب ذنبًا، هنا يصبح الأمر خروجًا عن العقيدة: أي كفرًا أكبر، وهذا من شأنه إخراجها من الملة. فيجوز للمسلم أن يرتكب الذنوب، وهو متصور أن لديه ذريعة للقيام بها، ولكنه في نفس الوقت يعلم جيدًا بأن ما يرتكبه يعتبر ذنب. وبطبيعة الحال، هذا الأمر سيسبب مشاكل للفرد، كما سيسبب مشاكل للدولة، لأنها تعمل ضد ما تعترف بأنه حق وصحيح مما سيخلق لديها اضطرابات داخلية، ولكن على الرغم من ذلك فإننا نظل مسلمون.
فإذا أكد دستور بلدك أن الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع، فهذا يسمح لك بمعارضة تلك الأشياء التي تتعارض مع الشريعة الإسلامية على أساس قانوني، فإذا كانت ضد الشريعة الإسلامية، فهي غير دستورية، وهذا يوفر لك أساس لمعارضة تلك الأشياء من الناحية القانونية.
إذا كنت تشك في أن الحكومة لا تملك في الواقع اعتقاد حقيقي بالشريعة الإسلامية، فمعارضتك ستجبرهم على إزالة هذا البند من الدستور، وفي هذه الحالة فقط ستصبح أما حالة من الكفر البواح، ويمكنك أن تفعل كل ما هو مطلوب وقتها.
فإن لم يكن لديك أي سبيل للانتصاف من هذا النوع من التظلم، كما هو الحال في معظم بلداننا، فلن يكون لديك خيار إلا توظيف استراتيجية تعطل النظام ضد المؤسسات التي تهيمن على حكومتك؛ الشركات المتعددة الجنسيات والمستثمرين الأجانب، لكي تصادر نفوذهم وتوظفه لدعم مطالبك.
وعلى صعيد مشابه، إياكَ أن تفترض أن الآية التي تقول “اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ …” (التوبة:31)، تنطبق في هذه الحالة، لمجرد أن الدولة قد جعلت الأعمال المحرمة جائزة من الناحية القانونية.
أولا، كما ذكرت، فإن الدولة قد اعترفت بالشريعة كمصدر للقانون، وبالتالي أي تعارض مع الشريعة الإسلامية لن يرقى إلى إنكار أن الخطيئة خطيئة. ثانيًا، تشير الآية إلى من يعتبرون أن إضفاء الشرعية على ما هو حرام قد جعله حلال، فإذا سمحت الدولة مثلا بشرب الخمر أو الدعارة أو القمار، فأي شخص سيعتبر تلك الأشياء حلال سيندرج تحت وصف هذه الآية، ولكن إذا ظل الشخص يعتبر هذه الأشياء حرام، فيكون بهذا قد أنقذ نفسه من وعيد هذه الآية.
قال رسول الله ﷺ، “إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ………..” (صحيح مسلم/كتاب الإمارة).
ونحن نعلم أن هذه الانحرافات لا ترقى إلى الكفر البواح، لآنه عندما سئل رسول الله ﷺ “…..قَالُوا أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ، قَالَ لَا مَا صَلَّوْا!”
يقول الإمام النووي في شرحه على الحديث (الحاشية رقم 1): “…..ومعناه: من كره ذلك المنكر فقد برئ من إثمه وعقوبته، وهذا في حق من لا يستطيع إنكاره بيده ولا لسانه فليكرهه بقلبه، وليبرأ. ……وفيه دليل على أن من عجز عن إزالة المنكر لا يأثم بمجرد السكوت. بل إنما يأثم بالرضا به، أو بألا يكرهه بقلبه أو بالمتابعة عليه.”
وقبل أن تقول أن الإمام النووي يقول “…من لا يستطيع إنكاره بيده ” مما يعني الخروج على الحاكم، يجب عليك إعادة قراءة الأحاديث التي تعارض صراحة هذا الأمر. فهو تلقائيًا غير قادر على إنكارها باليد لأنه ممنوع من الخروج على الحاكم في غياب الكفر البواح، ورسول الله ﷺ قد أوضح صراحة أن الحاكم الذي يطبق ما لا يتماشى 100٪ مع الشريعة لا يصح الخروج عليه من أجل هذا، مما يبطل حجة أن هذا الفعل يشكل كفر بواح.
لذا فعليكم أن تكرهوا وتعارضوا كل ما يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية بأي طريقة تريدونها بشرط ألا تتعارض هذه الطريقة مع الشريعة… ومرة ثانية، أرى أن الطريقة الأكثر فعالية لهذه المعارضة هي استهداف المؤسسات التي تتحكم في الحكومة.