عبد الله ابن عباس، البحر وحبر الأمة وترجمان القرآن، من دعا له الرسول ﷺ دعوة أنارت طريقه لفهم القرآن، يقول، “من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق.” (أخرجه بن جرير). وينطبق هذا على الحاكم بنفس القدر الذي ينطبق به على المواطن العادي، فكلاهما قد يرتكبون الأفعال التي تتعارض مع ما أنزل الله، مثل المواطن عندما يذنب والحاكم عندما لا يعاقب المذنب. في كلتا الحالتين، هذه أفعال تتعارض مع ما أنزل الله، وكلاهما اتخذ قرارًا واعيًا لتنفيذ هذه الأفعال، ولكن هذا لا ينفي إسلامهم طالما أنهما يدركان حقيقة أن الذنب ذنب.
جدير بالذكر أن الآية ليست موجهة حصرًيا لرؤساء الدول، ولكن موجها لأيًا كان… فهي تنطبق على الجميع. فإذا شرب رجل الخمر، فقد حكم بغير ما أنزل الله، طالما أنه هو من يحكم أفعاله، فإذا رأى أن ما يقوم به جائز فقد أنكر ما أنزل الله، وفسق عن الدين، أما إذا كان يعلم ويؤمن بما أنزل الله، ولكنه عصى أمره على أي حال، فهو آثم، وليس كافر… والقضية هكذا واضحة جدًا.
لقد أثار عدد من الإخوة قضية الولاء والبراء، بدعوى أن حكوماتهم موالية لمصالح الكفار، وتتشارك معهم أو تسهيل قتل المسلمين لهم، وبالتالي فهي تعتبر كافرة كفرًا بواحًا.
أولا وقبل كل شيء، وكما ذكرت، أي مسلم ليس عليه حرج إذا كان في حالة خوف، أو إذا كان يتوقع أو يخضع للإكراه من الكفار، وتكون النتيجة أنه قد يتعاون معهم لحماية نفسه من الأذى بالفعل، وقد لا نتفق معهم حول عذرهم، وقد نشعر أنهم ليسوا في خطر، ولكن بما أن هذا مجرد رأي يخصنا، فهو لا يبطل حجتهم.
ثانيا، من المعقول أن أي حاكم اختار هذه السياسة قد فعل هذا لأنه يعتقد حقًا أنها في مصلحة أمته، أو لأنه يعتقد أنه يتعاون في حرب ضد الإرهابيين والمتطرفين، وليس في حملة لذبح المسلمين الأبرياء. ومرة ثانية، نحن نرفض هذا، ولكنه محتمل جدا أن يكون هذا هو اعتقاده، والشيطان يزين الشر فيجعله يبدوا لنا جميعا وكأنه عدل.
ثالثا، قضية الولاء والبراء ليست مطلقة، لأنها على درجات. فنحن نقدم الولاء للخير الذي نراه في أي شخص، ونتبرأ من الشر الذي نراه فيه. فنظهر الولاء للخير ونتبرأ من الشر وفقا لحدة كل منها؛ وكلاهما متواجدان في أي شخص. فنحن، مثلا، لا نتبرأ بشكل مطلق من شخص بسبب ذنوبه، ولكننا نتبرأ من الذنوب نفسها، وننأى بأنفسنا عن هذا الشخص بالقدر الذي يسود به الاثم على طابعه. وبالنسبة للحاكم العاصي، فلدينا نص واضح من النبي ﷺ يقول لنا فيه أننا يجب أن ننكر كل ما نراه يتعارض مع الدين، وبهذا لا نحمل أي ذنب عليه. مرة أخرى، هذه كلها في الواقع قضايا واضحة جدًا.