كانت تركيا هي ضابط التنظيم في العالم الإسلامي كله لألف سنة، فقط فكروا في الأمر! نحن لا نتحدث فقط عن مقر السلطة؛ ولكن نتحدث عن المراقبة الإدارية، والقيادة، وكل شيء. وحتى اليوم، داخل تركيا، فإن مستوى التنظيم المؤسسي يجعل معظم العالم الإسلامي يبدوا كالبائس بالمقارنة، فالتنظيم المؤسسي دقيق ومركب، حتى أن معظم الأجانب لا يفهمونه. بعض الأتراك شرحوا لي، على سبيل المثال، النظام التعليمي، وكيف يتم تخصيص أموال للطلاب والمدارس التي يتم تأهيلهم لها… الخ، ولقد أوضحوه لي مرات عديدة، وأنا لا زلت غير قادر على استيعابه. فالنقطة هي أن النظام هنا مكثف ومنضبط بشكل لا يصدق… ومبني على هيكل جيد جدا جدا.
لقد استوعبت البلاد 3 ملايين لاجئ سوري، ويوجد في اسطنبول وحدها لاجئين أكثر من المتواجدين في الاتحاد الأوروبي بأسره، ومع ذلك يكافح الاتحاد الأوروبي لاستيعابهم… نحن نتحدث عن حكومة متفردة الكفاءة.
في ظل هيمنة حزب العدالة والتنمية وتحت قيادة رجب طيب أردوغان، استعادت تركيا بسرعة مكانتها في العالم الإسلامي، فهي قوة صاعدة مع نفوذ إقليمي متنامي وحنكة سياسية عميقة، وقوة اقتصادية.
في حين أنه حقيقي أن حزب العدالة والتنمية اتبع مسار النيوليبرالية، إلا أنه سار فيه إلى حد كبير على شروطه هو، ففي عام 2013 دفعت تركيا ديونها لصندوق النقد الدولي بالكامل، وتعهد أردوغان بعدم أخذ أي أموال منهم مرة أخرى. وقال في فبراير الماضي، “ما يفعله صندوق النقد الدولي هو ليس مجرد إدارة القروض والأموال، ولكنه يوفر لك القرض وبعد ذلك يحاول أن يحكم قبضته على سياستك.”
صعود تركيا، واستقلاليتها ونفوذها، بطبيعة الحال، يزعج الولايات المتحدة. ومما لا شك فيه أن هناك الكثيرين في واشنطن يشعرون بالحنين إلى الأيام الخوالي للحكم العسكري المباشرة وغير المباشرة في تركيا تحت الرعاية الأمريكية. محاولة انقلاب ليلة الجمعة الماضية فشلت، الحمد لله، لكنني لا أعتقد أن أيا منا يتصور أن وراء صعقة البرق الوجيزة لا توجد عاصفة من السحب.
ويبدو أن حكومة الولايات المتحدة على الأقل كان لديها معرفة مسبقة بأن انقلابًا سيجري، وحاولوا تصوير الأمر كما لو كان أكبر بكثير مما عليه، وأشاروا إليه في رسالة السفارة الأمريكية على أنه “انتفاضة تركية”، وليس ما كان عليه في الحقيقة، وهو تمرد داخل القوات المسلحة. وما كان منهم إلا أن قدموا دعما كبيرا من العلاقات العامة للخونة في وسائل الإعلام. فالانقلابين من الجيش هم من أتباع فتح الله جولن، المنافس اللدود لأردوغان، وهو يعيش في منفاه الفاخر في ولاية بنسلفانيا. فلو نظرنا على السطح، سنجد أن الاستنتاج الواضح هو أن الولايات المتحدة تعتقد أن جولن يمكن أن يقدم تركيا لهم دون مشاركة أمريكية مباشرة. أما الأن ففائدة جولن ستكون مشكوكًا فيها أمام واشنطن، وهذا قد يؤدي إلى استبعاده كعامل أساسي، أو قد يعني أنه هو وحركته سيتلقون المزيد من الدعم المالي واللوجيستي، للتأكد من أنهم سيكونوا مجهزين بشكل أفضل في المرة القادمة. وهذه مجرد تكهنات، ولكن ما هو مؤكد، في رأيي، هو أن الجهود المبذولة لإخضاع تركيا لن تتوقف.
أيا كان رأيكم في أردوغان وحزب العدالة والتنمية، وأيا كان رأيكم في النظام السياسي في تركيا، فإذا سقطت هذه الحكومة، أي إذا وقعت تركيا، فهذه الأمة ستفقد قلعتها الاستراتيجية الأكثر قيمة، وعلينا جميعًا أن نضم أيدينا ونطوق هذا البلد مثل الجدار البشري، وأن نغلق الصفوف من حولها لكي نحميها وكأننا نحمي مستقبلنا. ولا تنسوا ما قاله الكولونيل رالف بيترز، “إذا نجح الانقلاب، فإن الإسلاميين سيخسروا وسننتصر نحن!”