حتى الآن، لم أصادف أي شخص ممن يعلنون أن “الديمقراطية كفر” ووجدت لديه المعرفة الدينية، أو حتى التثقيف السياسي، الذي يؤهله للمشاركة في هذا النقاش. منهم من قرأ بعض الكتيبات، واستمع إلى عدد قليل من المحاضرات، وهم حريصون جدًا على أمر الحكومة الإسلامية والتبرؤ من الغرب، وبشكل أو بأخر يبدوا وكأن رفضهم لأن يكون للشعوب الحق في إبداء الرأي في القرارات التي تؤثر على حياتهم اليومية يجعلهم يشعرون بالصلاح والتقوى! مرة أخرى، يمكنني أن أفهم هذا، لأنني وقعت في نفس هذا الخطأ لسنوات عديدة عند بداية تحولي للإسلام.
في الولايات المتحدة، يتطلع المراهقين إلى عيد ميلادهم الثامن عشر ليتمكنوا من التأهل للحصول على رخصة القيادة، كما يمكنهم الذهاب إلى المراقص متى بلغوا سن الـ18. عندما بلغت أنا سن الـ18، كنت متحمسًا لشيء آخر عندئذ وهو أن يسمح لي بالمشاركة في العملية السياسية. وفور عيد ميلادي الثامن عشر، سجلت نفسي للتصويت، وكنت ناشطًا سياسيًا في الحزب الديمقراطي حتى قبل هذا، وكنت أقوم بالتنظيم والإشراف على مراكز الاقتراع وحشد الناخبين… لقد كنت سياسيًا طوال حياتي.
عندما اعتنقت الاسلام، كنت في الجامعة وكنت أدرس القانون والعلوم السياسية، وكان لدي نية الترشح لمنصب سياسي بعد أن أعمل كنائبً عامًا. وبمجرد أن اعتنقت الإسلام، تم إبلاغي بأن كل هذا حرام، بما أن الديمقراطية كفر، وبما أن القانون ليس هو الشريعة الإسلامية وبالتالي غير مسموح لي أن أمارس مهنة في هذا المجال. فتخليت عن هذه الدراسات وتخليت عن طموحاتي السياسية ببلدي، بدون أدنى شك أو تردد. ثم تركت التفكير في هذا الأمر عن طيب خاطر لأنني اعتقدت أنني بهذا مطيع، على الرغم من أنني كنت في الواقع مجرد غبي، وأستمع إلى ناس أغبياء.
معظم من يعلنون أن الديمقراطية كفر ليست لديهم فكرة عما تعنيه الديمقراطية؛ أي أنه ليست لديهم فكرة عن عدد أشكال ونظريات الديمقراطية، لذا فلديهم بعض العذر في خطأهم، وأنا لم أكن أعرف في ذلك الوقت كم الجهل الذي كانوا فيه، لذلك، فعلى الرغم من أنني كنت أعرف الكثير عن النظرية الديمقراطية وعلى الرغم من أن موقفهم كان يبدو غريبًا بالنسبة لي، إلا أنني افترضت أنهم يعرفون ما كانوا يتحدثون عنه… فقط لأكتشف وبعد سنوات، أنه لم تكن لديهم أدنى فكرة.
واحدًا من العوامل الرئيسية (إن لم يكن هو العامل الرئيسي فعلا) الذي دل على نهاية الخلافة على منهاج النبوة كان تحديدًا عندما فقد النظام الحاكم طابعه الديمقراطي، وعندما لم يعد للناس أي رأي فيمن يحكمهم.
لا، عندما نتحدث عن أمور ليست مستمدة من الوحي، فلا يوجد أي سبب على الإطلاق يدعوا لاستبعاد الشعوب من عملية صنع القرار… فهذا محض هراء!! وعليكم أن تعرفوا، إذا كنتم تنادون بصوت عال لفكرة مجردة مثل “الحكومة الإسلامية”، أن معظم ما تقصدونه ينتهي مساره إلى أنه مجرد “رأي”… فحوالي 10٪ فقط من القرآن الكريم يحتوي على أحكام واضحة، ومعظمها يتعلق بالعبادات: لا باللوائح الاجتماعية، أو الاقتصادية، أو السياسية، أو العقوبات، أما الباقي فهو عرضة للتأويل والرأي.
لذا فعليكم القيام بالبحث بأنفسكم، قبل إطلاق التصريحات المطلقة حول الديمقراطية، أو حول الحكومة الإسلامية، أو حول الشريعة الإسلامية، وإن لم تكونوا مستعدون للقيام بالبحث بأنفسكم، فلا تتوقعوا أن يؤخذ كلامكم على محمل الجد، لأنه لا علاقة له بالجدية في شيء.