في بداية اعتناقي للإسلام، ومثل العديد من المتحولين عن دينهم الذين يشعرون بالراحة للفكاك من السلطة غير الشرعية للكهنة والقساوسة الذين ينسجون الإملاءات الدينية للتجمعات المحيطة بهم بشكل تعسفي، وجدت نفسي بشكل تلقائي عازمًا على التمسك بالدليل: القرآن والأحاديث وعدم الأخذ برأي أي أحد. لقد اخترت الإسلام لكي أسير على هدي الله ورسوله ﷺ، وليس الإمام كذا أو المفتي كذا… أيا كانت الأسماء. وبدون أن أعرف التوصيف الصحيح لحالي، تبين لي لاحقًا أن مثلي يطلق عليهم “سلفي”… لا بأس، إذا فأنا سلفي. أنا أريد أن اتبع الدليل فقط، وأن أمارس الإسلام كما فهمته الأجيال الثلاثة الأولى من هذه الأمة. عظيم!
ما هي المشكلة إذا؟ ما علي إلا قراءة الحديث، ثم أقوم بتطبيقه… هل يوجد أبسط من هذا؟ إلا أن الأمر ليس بهذه السهولة، فأنا لم أكن عالمًا ولست كذلك للآن. فما قد يبدو لي استنتاج واضح لأي حديث لن يكون بالضرورة هو الاستنتاج الصحيح، ولكني لن أعرف هذا ما لم يكن لدي كم هائل من المعرفة السياقية. على سبيل المثال، يقول الإمام النووي في موضوع إسبال الإزار ما معناه، أنه إذا قرأ الشخص العادي الأحاديث المتعلقة بهذا الموضوع، سيتصور أنه حرام، ولكن إذا قرأ هذه الأحاديث عالم فسيعرف أنه ليس كذلك.
ودون الخوض في تفاصيل كثيرة، فإن التخريب الغربي للإمبراطورية العثمانية، والظهور المفاجئ للمملكة العربية السعودية باعتبارها السلطة الدينية البارزة في العالم الإسلامي، أدى إلى ظهور عالم إسلامي يفكر بطريقة أحادية القطب.
يقول السلفيون، كما أقول دائما، “نحن نعيد الإسلام إلى أصله، وهذه ليست حركة إصلاح، بل هي حركة نهضة … فنحن لم نأتي بتفسير جديد، بل جئنا بالتفسير الأصلي للدين”. وهذا الكلام يأتي إجابةً على المسلمين في الأراضي العثمانية السابقة الذين وجدوا الفكر السعودي جديد وغريب فأطلقوا عليه لفظ الوهابية.
حسنا، ولكن عندما تخبر الناس أن يذهبوا فقط ومباشرة إلى النصوص، فحركة “الإحياء” هذه ستعني بصورة جوهرية أنك تصدر لهم أمر “باختيار الكل ثم الحذف” لما يقرب من ألف وخمسمائة عام من الدراسات والعلوم: مناقشات واختلافات وقضايا مثيرة للجدل تم اكتشافها وأوضحها “العلماء” لأكثر من ألف سنة يتم هكذا مسحها بجرة قلم، لنعود إلى نقطة الصفر!! مع العلم أن كل هذه المناقشات والمناظرات عبر التاريخ استخدمت نفس “الدليل” الذي نتعامل معه اليوم، ولكن الطريقة السعودية تصل بنا في الأساس إلى رفض كل ذلك، أو ببساطة تريدنا أن نتجاهل وجوده على الإطلاق. فهل نتعجب بعد كل ذلك لماذا استشرى بيننا سوء الفهم، وسوء التفسير، وأصبح التطرف شائعًا جدا بيننا؟ هذا يبدو وكأنهم وضعوا عمليًا المتاريس على أبواب مكتبات كاملة تضم أكثر من ألف عام من البصيرة الفكرية والفهم. وهذا أقرب ما يكون إلى الثورة الثقافية لماو تسي تونج في الصين: إزالة كل الطعام من على مائدة الوليمة، وترك التمر والماء فقط.