أي مفكر سياسي في هذه الأيام لا يُدْخِل في اعتباره تأثير القوة الخاصة؛ أي لا يتعامل مع السيطرة المتغلبة للشركات متعددة الجنسيات وأصحابها، ولا يُدرِج في تحليله تأثير القوى الاقتصادية، فلا أرى أن نظرياته ستتحرك أبدًا أبعد من الصفحات الذي كتبت عليها ليتم تنفيذها في العالم الحقيقي.
حتى في العديد من المفكرين الأكثر احترافًا نرى أنهم ما زالوا يعتمدون على فرضيات عفا عليها الزمن حول ديناميات القوة العالمية، ودور الدولة، وهذه الفرضيات التي عفا عليها الزمن ستؤدي حتما لهم إلى استنتاجات خاطئة لاستراتيجيات وتكتيكات التحرر.
ستجدون من يقولون أننا لن نتمكن من بناء الدولة الإسلامية حتى نحرر أنفسنا من أعداء الخارج، ومن براثن أعداء الداخل، ولكنهم إن لم يضموا من بين هؤلاء الأعداء هذه السلطة الهائلة لرأس المال الخاص، فسيفشلون في وضع أي استراتيجية فعالة لضمان تحررنا منهم.
في الماضي، كنت ببساطة أعزي هذا النقص في الانتباه إلى القضايا الاقتصادية إلى الجهل، وقد يكون هذا هو الحال في كثير من الأحيان. ولكن مع مرور الوقت، أدركت أن هناك سبب آخر في كثير من الأحيان، وهو أنهم لا يريدون أن يعالجوا قضايا القوة الاقتصادية لأنهم هم أنفسهم لديهم مصلحة في هذا النظام.
أرى أن الأغنياء الذين يدعمون الجهاد في سوريا من دول الخليج، على سبيل المثال، (وهم، بالمناسبة، لم يحاولوا الإطاحة بحكوماتهم) يشجعون فرص الاستثمار أكثر مما يشجعون الجهاد. فالأثرياء من قطر، والكويت، والإمارات ممن يمولون المقاتلين في سوريا، وفي نفس الوقت يدعون أن حكوماتهم من الطواغيت، كان في إمكانهم الإطاحة بحكوماتهم هذه بجزء بسيط جدًا من الأموال التي أنفقوها في سوريا.
مع أموالهم واتصالاتهم، كان في إمكانهم تنفيذ انقلابات في أماكن مثل الكويت أو الإمارات ما بين الظهيرة والعصر، ولكنهم لم يفعلوا ولن يفعلوا؛ لأنهم هم أنفسهم مستفيدين من النظام الاقتصادي العالمي، فهم مساهمين، ومستثمرين، وسيستفيدون من إعادة إعمار سوريا عندما يحين الوقت.
لذا، سنجدهم يتحدثون عن الأعداء الخارجيين والداخليين، ويقولون لكم أن المقصود هو الولايات المتحدة والحكام المرتدين في العالم العربي، ولن يقولوا شيئًا عن صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والشركات متعددة الجنسيات…الخ، ولن يتحدثوا عن الآليات الاقتصادية للهيمنة، لأنهم، بكل بساطة، ليست لديهم مشكلة مع هذا النظام، بل أنهم في الواقع، يسعون لإعلاء مكانتهم داخل هذا النظام.