مملكة البيادق:
المملكة العربية السعودية تقف في مرمى النيوليبرالية!
أذكر عندما غزت الولايات المتحدة العراق عام 2003 أنني أشرت وقتها بأنهم لن يتوقفوا حتى يرفعوا العلم الأمريكي فوق الكعبة. في هذا الوقت، وخاصة مع جورج دبليو بوش في منصب الرئاسة، لم أعرف حقيقية إذا كان هذا التعبير حرفي أو مجازي، أو إذا كان سيتم إنجازه في ظل إدارته أو بعدها. لكن ما كان واضحًا لي هو أن الدول العميلة والموالية للولايات المتحدة في العالم الإسلامي ستخضع إلى ما وراء التبعية السياسية، وأنه سيتم تقويضها وتخريبها اجتماعيًا واقتصاديًا إلى أن يصبح احتمال استقلالها مندثرًا تمامًا. نعم، السعودية موالية، وتعمل كأداة مفيدة لسياسة الولايات المتحدة في المنطقة. ولأنها دولة غنية، فلو تصورنا أنها لم تكن موالية في أي وقت مضى لكان هذا الأمر سيصبح مشكلة، فالنظام السعودي قد حاد عن المسار إلى حد كبير مع شعبه، لدرجة أنه لو فكرت داعش أن تتحرك ضد المملكة، فسيكون الأمر أدنى من الغزو وأقرب إلى الانتفاضة الشعبية.
منذ هبوط أسعار النفط والمملكة العربية السعودية لم تقلل من الإنتاج، فهي تبيع النفط الآن مقابل ربح أقل بكثير مما تحتاج إليه لتلبية ميزانيتها، ومن ثم فهي تقوم بتعويض هذه الفجوة في الربح باستخدام احتياطيات العملات الأجنبية، التي تتآكل بسرعة. فالمملكة العربية السعودية تحرق احتياطياتها من العملات بمعدل 5٪ تقريبًا كل شهرين، مما يعني أن احتياطي العملات الأجنبية سيفرغ تمامًا لديها في أقل من عامين من بداية تراجع أسعار النفط.
لهذا كما ترون، فإن الحفاظ على سعر النفط منخفضًا يعتبر مدمرًا جدًا لاستدامة السعودية. أما الولايات المتحدة فقد أصبحت مؤخرًا لاعبًا رئيسيًا في تحديد أسعار النفط، بعد تكنولوجيا الاستخراج الجديدة التي جعلتها أكبر دولة منتجة للنفط في العالم، في الوقت الذي يظل السعوديون متشبثون بنموذج عفا عليه الزمن، متصورون أنه بالحفاظ على مستويات عالية للإنتاج سيمكنهم المحافظة على حصتهم في السوق. ولكن بدخول الولايات المتحدة سوق النفط أصبحت كل ما تفعله هذه الاستراتيجية ببساطة هو أنها تبقي على أسعار النفط منخفضة، وتكلف السعودية العزيز والغالي. فهي تفرض على السعودية إنفاق فائضها النقدي للحفاظ على ميزانيتها، مما يضعها على طاولة صندوق النقد الدولي، أو بمعنى أخر يضمها طائعةً مستسلمةً إلى حظيرة النيوليبرالية.
لقد أعلنت المملكة العربية السعودية مؤخرًا عن خطتها للإصلاح الاقتصادي “الرؤية السعودية 2030″، واضعةً البلاد بشكل واضح في برنامج النيوليبرالية. وكان صندوق النقد الدولي راضٍ عن تدابير الإصلاح، ولكن كما هي العادة قالوا أنها لم تذعن بما فيه الكفاية. وفقًا لصندوق النقد الدولي فإن الخطة الاقتصادية “ينبغي أن تشمل المزيد من التعديلات في أسعار الطاقة المحلية، ومزيد من السيطرة على النفقات، ومزيد من الارتفاع في الإيرادات غير النفطية. ولو ترجمنا هذا الكلام سنجد أنه يعني، رفع أسعار الوقود للسعوديين، وخفض الإنفاق العام، والسعي للاستثمار الأجنبي، وهذه الأخيرة بالذات تعني خصخصة مؤسسات القطاع العام … أي بيع الدولة.
هذه العملية تجري بالفعل، فخطة “الرؤية السعودية 2030” تستند على بيع 5٪ من شركة أرامكو، شركة النفط المملوكة للحكومة، وبمجرد أن تنحل عروة أول إصبع في اليد التي تقبض بقوة على بشيء ما يصبح حل باقي الأصابع أمرًا مقضيًا وتنفتح قبضة اليد كلها… هي مسألة وقت ليس أكثر. والعائدات من بيع حصة الــ5٪ ستذهب إلى صندوق طبعًا، وهذا الصندوق سينتهي به الحال أن يُنفَق كله على تغطية نفقات ميزانية المملكة العربية السعودية، ثم في النهاية لتسديد قروض المقرضين الدوليين.
جاري الأن تفكيك اقتصاد المملكة العربية السعودية قطعة بقطعة… وها قد دخلوا في المتاهة الزائفة للنيوليبرالية وفي هذه المتاحة يصبح كل منعطف هو المنعطف الخطأ.