من يصرون على تفسير صراعنا مع الغرب على أساس أنه “معركة عقيدة” بدلًا مما هو عليه في الواقع (أي كونه جزء من نفس صراع السلطة الإمبريالي النيوليبرالي الذي يدور في العالم كله)، يبدو أنهم يتخذون هذا الموقف، على الأقل جزئيًا، لأنه يعفيهم من الحاجة إلى فهم طرائق هذا الصراع ومن الحاجة لتطوير استراتيجيات فعالة. ففي معركة العقيدة، لا توجد استراتيجيات “فعالة”، لأنه أيًا كان ما ستفعله، سيظلون هم يقاتلونك على أي حال … لأن هذا هو ما يؤمنون به فحسب.
فإذا عطلت ربحية شركاتهم، سيتم ضخ المزيد من الأموال في هذه الشركات، وهذا سيمتص الخسائر، وسيتواصل ضغطهم عليك. وإذا هاجمتهم عسكريًا (بفرض أنك تستطيع أن تفعلها)، سيضاعفون جهودهم ويرسلون المزيد من القوات، الخ، الخ… ففي الأساس، لا يوجد شيء يمكنك القيام به، لذلك ما تفعله لا يهم، ما دمت تحاربهم بأي طريقة كانت… أيا كانت الاستراتيجية، أيا كانت التكتيكات التي تطبقها، كل هذا لا يهم. فالمعركة بالنسبة لهم ولنا معركة صفرية… معركة حتى الموت. هذا ما يقولونه.
حسنا، هذا غير منطقي بالمرة! هل هناك عداء بين الكفر والإيمان؟ بالطبع… كان هناك دائمًا، وسيظل هناك دائمًا. ولكن هذا العداء لا يعبر عن نفسه في العدوان والعنف في جميع الأوقات وفي جميع الأماكن. فالكفار لا يعيشون حياتهم مدفوعين برغبة لا تلين في القضاء على المسلمين من على وجه الأرض. هذا ليس صحيحًا على الإطلاق، ووحده الشخص الذي لم يحز إلا على قدر قليل جدًا من التعليم هو الذي يعتقد هذا؛ بدون ذكر فهمه القليل جدًا للتاريخ، وخبرته القليلة جدًا في الحياة.
هناك أسباب يمكن تحديدها لعدوانهم أينما كان موجودًا، وهي لا تمت الا بالقليل جدًا للدين. فكما ذكرت، الغرب ليست لديه مشكلة في التحالف مع المملكة العربية السعودية، ومع اندونيسيا، وماليزيا، وبروناي، كما أن تمسك الناس في أفغانستان بتفسيرهم للإسلام الآن هو نفسه ما كان عليه قبل الغزو الأمريكي – ولكن هذه الحقيقة لا تحفز الولايات المتحدة لمواصلة احتلالها إما لتحويل السكان إلى المسيحية أو إلى إبادتهم. والمسلمون في الصين ليست لديهم صعوبة في ممارسة شعائرهم الدينية، باستثناء المسلمين في تركستان الشرقية، وذلك بسبب نضالهم من الاستقلال، وليس بسبب دينهم.
قد تقولون لي الأن أن الغرب يقبل بلاد مثل اندونيسيا وماليزيا لأن هذه الشعوب “دينها ضعيف”. حسنا، هنا سنأتي على واحدة من المفارقات الغريبة لهذه العقليات!! من ناحية يقولون أن الغرب يقبل الإسلام “الوسطي الجميل”، مما يعني بالضرورة أن القادة الغربيين هم في الأساس علماء دين، وأنهم جميعا “علماء يمتلكون معرفة دقيقة بالعقيدة تمكنهم من التمييز بين الإسلام “الصحيح” والإسلام “المنقوص”. ولكننا على الجانب الأخر نقول دائما أن “المشكلة هي أن الغرب لا يفهم الإسلام!”… فما هي الحقيقة إذا؟ إما أنهم خبراء في العقيدة أو أنهم جهلة! لا يمكنهم أن يكون الاثنين معا!! فبالنسبة لهم المسلم هو المسلم. وهم بالكاد يعرفون الفرق بين السنة والشيعة، ناهيك عن الفرق بين الاجتهاد والآخر.
كان جادًا يا أخي!! عندما يسرق اللص جميع من في الشارع، ثم يسرق منك، هل ستقول أنه سرقك لأنك مسلم؟ حقًا؟
إنها ليست معركة عقيدة في البرازيل، أو في فنزويلا، أو في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية (حيث يتبعون المسيحية بالتزام أكثر من الغرب)، ولم تكن معركة عقيدة في فيتنام، وهي ليست معركة عقيدة في اليونان وإسبانيا والبرتغال. ولكن بطريقة ما، ولسبب ما، عندما يفعلون في العالم العربي نفس ما يفعلونه في كل مكان آخر، تصبح فجأة معركة عقيدة؟
هل يكرهون الإسلام؟ طبعا… هل هذه الكراهية هي التي تحركهم؟ من الواضح أنه لا. إن كانت هذه الكراهية هي التي تحركهم، لكان من الطبيعي أن تحركهم في كل مكان أخر على حد سواء. نحن نقول دائمًا أن الغالبية الساحقة من المسلمين ليسوا إرهابيون أو متطرفون (وهو صحيح، طبعا) ولكن من الصحيح أيضا أن نقول أن الغالبية الساحقة من المسلمين لا تتعرض لأي هجوم أيضا. فنحن عندما نُهَاجَم، نُهَاجَم لأسباب محددة لا علاقة لها بالدين، وهذه الأسباب لها علاقة بالهيمنة الاقتصادية وقمع الاستقلال.
يمكننا أن نحدد الأسباب، والدوافع، وطرائق الصراع، ويمكننا وضع استراتيجيات وتكتيكات فعالة، فقط إذا قمنا بإزالة هذه الغمامة الأيديولوجية من على أعيننا، ورفض الخطاب الديني الأجوف من “قادة” يقتاتون على التحريض وإطالة الأزمات.