لقد أمضيت أول سنوات لي في السجن محاولًا أن أقوم بتنظيم عملية هروب، وإقناع الآخرين بالمشاركة في هذا الجهد. وكنا جميعا محكوم علينا بالإعدام، لذلك فكنت كثيرا ما أقول لنفسي، “بالله عليكم، ماذا يمكن أن نخسر بمجرد المحاولة؟”، فمن الواضح، أننا لم نكن نسعى فقط لكسب حريتنا، ولكن لكسب حياتنا نفسها.
وعندما كنت أنظر للحراس، كنت أراهم رجالا مثلي، باستثناء أنهم كانوا بشكل عام أكثر لياقة، ومدربين بشكل جيد وغير كسولين. وكنت متأكدًا أنني أستطيع أن أهزم أي منهم لو تعاركنا، وكنت متأكد أن في إمكاني أن أسبقهم في الجري. وعندما كنت أرى أبواب السجن في مناطق مختلفة على طول الممرات، لم أكن أرى سوى إشكالية التوقيت: متى وكيف أتأكد من أن جميع هذه الأبواب ستكون مفتوحة وقابلة للمرور من خلالها في نفس الوقت؟ ولكن عندما كان السجناء الآخرون يرون الحراس، كانوا لا يرون إلا الزي الرسمي؛ وبالتالي كانوا لا يرون إلا قوة الدولة. وعندما كانوا يرون الأبواب، كانوا لا يرون إلا القيود، ولا يرون إلا المستحيلات.
ومن خلال معايشتي لهم تعلمت الكثير، كان هناك من يقولون أنهم سينضمون لي في الهروب إذا تمكنت من تهريب أسلحة لهم، أو إذا ضمنت لهم شخصيا أن هناك من سينتظرنا بالخارج ليعطينا السلاح بمجرد الوصول إلى البوابة. وكانوا ينخرطون في أوهام ويحلمون بمروحيات وقنابل يدوية، وقوارب سريعة، ويقترحون أشياء غريبة مثل الحصول بطريقة أو بأخرى على مفاتيح حافلة الشرطة ثم صدمها بقوة في البوابة الرئيسية. ولكن كما ترون فإن اللوجستيات الفعلية للهروب كانت واضحة تماما: الجري عبر الممر، صرع الحراس على طول الطريق، ثم الجري بسرعة من خلال المكتب الرئيسي، والخروج إلى البوابة، ثم ضر الحرس بمجرد الوصول هناك، ثم أخذ المفتاح، وترك مجمع السجن. هكذا ببساطة! ولكن الأمر يتطلب الثقة الجسدية والنفسية على حد سواء ثم القوة، وهذا ما كانوا يفتقرون إليه، لدرجة أنهم لم تكن لديهم الجرأة للقتال من أجل حياتهم.
لقد أدركت أنني حتى لو رتبت طائرة هليكوبتر، مسلحة بالبنادق الكلاشنيكوف والقنابل اليدوية، ثم عرضت أن أقوم بحملهم حرفيا إلى خارج الباب، فإنهم لن يكونوا مستعدين للذهاب. وكانت مطالب الأسلحة والأوهام مجرد أعذار لتجنب اتخاذ أي خطوة. لقد كانوا جميعا يعيشون حالة من التمويه لإخفاء جبنهم. لآن العمل الفعلي المطلوب من أجل الهرب كان قليلًا جدا.
كثيرا ما أشعر أنني أعيش نفس هذه العملية فيم يتعلق بمصر.
هناك الكثيرون في مصر اليوم، ممن يروجون لأوهام حول كيفية تغيير الوضع، وهم يشبهون في ذلك هؤلاء المساجين البؤساء، ويفضلون إخفاء تقاعسهم بالحديث عن أعمال خطيرة يدعون أنهم سيفعلونها فقط عندما تسمح لهم الظروف، بدلا من القيام الآن فقط بما يمكنهم القيام به، وهو الشيء الوحيد المؤثر فعلا. ولكن حتى لو أعطيتموهم جيشا، فهم لن يتحركوا!
#دروس_المعتقل