الخطر طويل المدى من الناحية الفكرية، من الكارثة السورية هو أنه سيخلق موجة جديدة من العلمانية في الجيل القادم لأن خطابات الإسلاميين أصبحت متطرفة جدا وغير واقعية. أن نقول للناس أن يكونوا على استعداد للقتال والموت، والتضحية بأسرهم ومستقبلهم في صراعات مسلحة عبثية تعتمد على توفير الوقت المناسب من المعجزات الإلهية كي تنجح، والتي، إذا لم تأت المعجزات، سوف تتركهم مقهورين مستعبدين. هذا هو نهج ” اصدحوا بالتكبير أولا، واطرحوا الأسئلة لاحقا”.
كما كشفت المأساة السورية، لم يكن لديهم أي أفكار. فبينما يتم ذبح الشعب، وبينما يجري التقسيم الفعلي لسوريا على أرض الواقع، وبينما الاحتلال الغربي لتلك الأرض يقترب. فأقصى ما يمكنهم قوله هو أنهم وقعوا في الفخ الذي كان من المستحيل تجنبه. “وفرضت الحرب نفسها عليهم، ولم يكن لديهم أي خيار”. حسنا، هذا إخفاق فكري. فعدم وجود أفكار ليس كعدم وجود خيارات. الجيل القادم، كما أعتقد، سوف يتوقع قيادته أكثر من التذرع بعدم القدرة على اكتشاف أو تجنب أفخاخ أعدائنا. إذا كنا غير قادرين على القيام بذلك، فسوف يسحبون ثقتهم منا، ويجب عليهم أن يفعلوا.
إن تقديم حديث متهافت عن فضل الجهاد، واستغلال الانتصارات الخارقة في الماضي (مع تجاهل الهزائم) كدليل على أن دخول معارك خاسرة هو التصرف الإسلامي المتعين القيام به، لم يخدم صالح الإسلام والمسلمين بالشكل المرغوب في السنوات الأخيرة.
ولعل جزءا من المشكلة هو أن مفكرا عظيما مثل حسن البنا الذي حول أفكاره إلى جماعة. بالطبع جميعنا ورثنا أفكاره، ولكن جماعته أصبحت وريثته أكثر مما عداها. لم يستطيعوا أخذ القيادة بحقها من خلال التطوير الفكري لمبادئه. بل ركزوا ببساطة على الحفاظ على مجرد وجود الجماعة بشكل أو بآخر. وبالتالي، أصبح التفكير في حالة ركود. ومن وسط هذا الركود صعد الفكر السلفي الجهادي، وكلما صعد تراجعت العقلانية. فالاستشهادات الانتقائية من الآيات من القرآن (وغالبا ما يساء تفسيرها) إلى جانب الأحاديث والفتاوى، مع استبعاد البديل من الآراء مقبولة لتلك الأدلة، استخدمت كلها لنزع الشرعية عن التفكير والمناقشة والتحليل المنطقي. وها نحن اليوم، نقود أمتنا إلى خراب فوق خراب.
ولكن، إذا كان لنا أن نفكر في المستقبل، بعد 10 سنوات من الآن أو 25 عاما من الآن. كيف ستكون نظرة الجيل القادم للإسلام؟ سوف يعيشون في سوريا المحتلة؛ سيتم على الأرجح تقسيم ليبيا إلى قسمين تهيمن على كليهما الشركات المتعددة الجنسيات بالتعاون مع أعضاء عصابات مافيا صغيرة يحكمون كلا منها وسيتم الاعتراف القدس على اﻷرجح بأنها “عاصمة أبدية لإسرائيل” وتركيا قد يتم زعزعة استقرارها، وهكذا. عندها سيهز الإسلاميون أكتافهم قائلين “لم يكن هناك شيء يمكننا القيام به”. عندها لن يقبلوا هذه الإجابة، ولا ينبغي لهم قبولها.
وإذا لم نقدم الإسلام العقلاني الآن، فسوف يختفي العمل اﻹسلامي كفكرة في المستقبل القريب.