أقل القليل من الناس صادقون بشأن سوريا. حتى من يقولون الحقيقة، فهم في الواقع يقولونها بانتقائية وبدون أي سياق… ويجب علينا أن ندرك هذا.
يمكننا إسقاط قنوات مثل RT من حساباتنا بدون تفكير لأسباب واضحة، فالصورة التي يقدمونها للصراع تذكرنا بنمط صحيفة برافدا السوفييتية التي كانت تقوم بدعاية منافية للعقل، وكأن بشار يقوم بتوزيع الزهور منذ 2011.
المنصات الإعلامية الغربية معنية في المقام الأول ببناء مسوغ يؤسس لاحتلال دولي “إنساني” للمناطق المحررة. فهم في الغالب يقولون الحقيقة عن الفظائع التي ارتكبتها القوات الحكومية وروسيا، ولكنهم يفعلون ذلك بمنتهى الخبث والاحتيال لأن لديهم أجندة. فيقولون أن “المجتمع الدولي خذل الشعب السوري”، ولكن المجتمع الدولي في الواقع نجح في سوريا، ولم تكن حلب تمثل لهم فشلا ولكن انتصارا، ففي إمكانهم الآن تسويغ التقسيم والاحتلال. بل أنهم أوجدوا أوضاعا في سوريا ستكون كفيلة بإيجاد أسباب دعوتهم ودخولهم.
“على أرض الواقع” نجد الناشطين المؤيدين للثورة من الصحفيين يقولون الحقيقة أيضا إلى حد كبير، ولكن مرة أخرى هي انتقائية. فهي دعاية فعالة بجميع المقاييس، وأنا لا أنتقدهم في ذلك.
هناك مشاكل كبيرة في المناطق التي يسيطر عليها الثوار، وهناك انتهاكات وفساد وقهر وعنف غير مبرر، إلا أن “صحفيينا” لن يخبرونا بذلك، لأنهم مهتمون في المقام الأول بكسب التعاطف لضحايا تنكيل القوات الحكومية، وهذا أمر جيد، لأنهم يستحقون التعاطف. لكننا يجب أن نكون عقلانيين وندرك أننا لا نحصل على الصورة كاملة، ولا يمكن أن نقوم برفض أي ادعاء وكل ادعاء بارتكاب مخالفات من قبل قوات الثوار على أنها “أكاذيب ودعاية مضادة”، فالمناطق المحررة ليست نسخة من المدينة المنورة في عهد النبي ﷺ.
لو استمعنا للثوار أنفسهم، ولو استمعنا لعامة الناس، ولو كنا نحن أنفسنا صادقين، فأنا أشك أن أي منا يستطيع أن يرشح أحد قادة الثوار لإقامة دولة، فنحن نؤيدهم لأن عدوهم أسوأ منهم، ولأن قضيتهم نبيلة. ولكنهم بصراحة مطلقة فهم بلا أي خطة، وبلا أي قدرة على تفعيل أي خطة حتى لو كانت لديهم واحدة… والتظاهر بأن هذا ليس هو الواقع لن يكون مفيدا لأحد.