إن كنت قد زرت اسطنبول مؤخرا، فلربما كان أول ما لاحظته هو المتسولون السوريون، وهم في الغالب من النساء والأطفال. في العادة نجدهم أطفالا صغارا بشكل لا يصدق، بالكاد بلغوا الفطام، يجلسون على قطعة من الورق المقوى على الرصيف، مع فنجان أمامهم لجمع القطع النقدية. والكثير منهم أصبحوا الآن متسولون محترفون كجزء من شبكة منظمة، فيتم إنزالهم في محطاتهم، والتقاطهم بعد عدة ساعات، ويطلب منهم من يدير لهم هذه العملية، تحقيق إيراد يومي محدد. وحتى إن كانت لديهم معاطف وسترات تقيهم من الصقيع فلا يسمح لهم بارتدائها أثناء نوبات عملهم، حتى يجلبوا المزيد من التعاطف، فيجلسون هكذا وهم صغار جدا، يتجمدون من الصقيع والأمطار.
هذا هو ما يلقونه بدلا من الأسرة والبيوت الدافئة، وبدلا من المدارس… فكل ما لديهم هم الرصيف. وأنا أتساءل أين من يمولون “الجهاد” في سورية. أليس هؤلاء هم أطفالكم، ونتاج استثماراتكم؟ وهناك المزيد يظهرون كل يوم. فإذا رأيتموهم في الشوارع، هل ستعطونهم حفنة من الليرات أم ستهنئونهم على الفوز الإسلامي العظيم الذي ساهموا فيه؟
“أفضل لي أن أموت من أن أعيش تحت حكم بشار الأسد”.
هذا شيء طيب، إذا كان تلك هي المعادلة، ولكن الأمر ليس كذلك.
المعادلة الصحيحة هي: “أفضل لي أن أموت مع 470 ألف شخص آخرين يموتون، ونحو 10 ملايين شخص يتشردون كلاجئين، ومجتمع يتم تدميره بالكامل… من أن أعيش تحت حكم بشار الأسد”.
هذا هو ما يحدث عندما يقول لكم قادة الجهاد أن في إمكانكم هزيمة عدو أقوى دون أن تكون لديكم القدرة أو استراتيجية للقيام بذلك، فيعدونكم بمعجزات ليست في حوزتهم، ثم يعتمدون على دعم الغير (الغرب أو عملائه من الخليج) ممن لا يريدون أن يرونكم تربحون.
لا أحد يشك في صدق المقاتلين ولا شجاعتهم الفذة، ولا أحد يدعي أن قضيتهم ليست نبيلة أو عادلة، ولكننا للأسف نعيش في عالم لا تكفي فيه هذه الأمور وحدها.