لدى إسرائيل الكثير من نقاط الضعف، ولكن القدرة العسكرية ليست واحدة من نقاط الضعف تلك، بالتالي فلن نلحق بهم الهزيمة لو دخلنا معهم هذا الملعب، بل أنه من الخطأ الانجرار إلى هذا النوع من الصراع. فهي لعبة غير متكافئة ولا يجب أن ننخرط فيها.
أنا أكرر دائما أنه من الخطأ أن نتوقع من الفلسطينيين أن يواجهوا الإسرائيليين عسكريا. فهذا بالضبط ما يريده الصهاينة، وهو بالضبط ما يروجون له ويعتمدون عليه لتبرير وحشيتهم. إذن فهذه باختصار استراتيجية سيئة ((نقطة))… لقد كانت استراتيجية جيدة في مرحلة معينة من التاريخ، ولكن هذه اللحظة ولت.
الحقائق الديموغرافية في المنطقة تجعل إسرائيل دولة غير قابلة للاستمرار بجميع المقاييس، فحقيقة الأمر هي أن هناك ما لا يكفي من اليهود في العالم للحفاظ على إسرائيل كـ “دولة يهودية”. فاليهود حتى الآن أقل من الفلسطينيين في معدلات المواليد وببساطة لن يمكنهم أبدا اللحاق بهم. لا يوجد سوى 14 مليون يهودي في العالم، ويتوقع أن يرتفع هذا التعداد بحوالي 2 مليون شخص فقط على مدى السنوات الـ 30 المقبلة. وبحلول هذا الوقت سيكون تعداد الفلسطينيين قد تضاعف.
والحل المتمثل في الإبقاء على وجود “دولتين” هو السبيل الوحيد لمواجهة تداعيات هذا الاتجاه الديموغرافي، كما أن الحفاظ على حالة الصراع يعتبر السبيل الوحيد لمواجهة ميزة معدل مواليد الفلسطينيين، وذلك عبر تنفيذ مجازر متفرقة والتهجير القسري.
من غير الواقعي أن يقبل الإسرائيليون “استسلاما تكتيكيا” من جانب الأراضي الفلسطينية ينتهي بمنح سكان غزة والضفة الغربية الجنسية الإسرائيلية مع حقوق تصويت متساوية. ولكن لماذا يرفضون هذا؟ لأنهم يعرفون تحديدا أن مثل هذا “الاستسلام” سيعني نهاية اسرائيل كـ “دولة يهودية”، فبهذا ستنتهي حالة الصراع، وبسرعة كبيرة سيصبح الفلسطينيون أغلبية، وبما أن إسرائيل تتباهي دوما بأنها “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” فستتحول الحكومة وطبيعة المجتمع بنفس السرعة إلى العربية والإسلام.
إن كانت كل الأرض التي يحلم الصهاينة بها من أجل إقامة مشروعهم “إسرائيل الكبرى” سيتم التنازل عنها لهم طوعا بشرط أن يتم دمج جميع سكانها الحاليين واستيعابهم ضمن المواطنة الإسرائيلية، فسيجد اليهود أنفسهم أقلية صغرى، حتى لو تخيلنا أن كل يهودي على وجه الأرض سينتقل للعيش هناك، فلن يشكلوا إلا شريحة ضئيلة من السكان؛ أي بالكاد ما يكفي من الناس لملء مدينة رئيسية واحدة.
ومن ناحية أخرى إذا استولت إسرائيل على الاراضي التي تطمع فيها من خلال الحرب، فسيتم إما قتل السكان أو اجبارهم على الفرار، لكي يتمكن اليهود من الحفاظ على تفوقهم داخل البلاد. وبصراحة فأنا أجد أن تدمير سوريا، والامتداد المحتمل للفوضى الجهادية داخل الدول المحيطة سيخلق سيناريو مثالي للتوسع العدواني الإسرائيلي.
آخر ما تريده إسرائيل، ومن ورائها الغرب عموما هو أن ينتهي الصراع في المنطقة، فإذا استسلمت الأراضي تكتيكيا، فإن الطبيعة ستأخذ مجراها وستعود اﻷمور إلى طبيعتها التي كانت دائما في فلسطين التاريخية: دولة عربية مسلمة مع أقلية يهودية صغرى.
والطريقة الوحيدة لمنع حدوث هذا هي استمرار الصراع.