غالبية المسلمين في جميع أنحاء العالم يعبرون عن رغبتهم في إقامة الشريعة كقانون للدول التي يعيشون فيها؛ ولكن ماذا يعنيه هذا بالنسبة لهم؟ هم ليسوا علماء في القانون والفقه. فبالنسبة لمعظمهم ولمعظمنا، القضية غامضة ومجردة. فهي تعني ببساطة الحكومة التي تتوافر فيها العدالة والنزاهة والخلو من الفساد وعدم الخضوع للغرب. معظم العوام لا يمكنهم قول ما هو أكثر من هذا حول ما تعنيه الحكومة الإسلامية. وأنا أضم معظم الإسلاميين في مصطلح “العوام”، فحتى هم ليسوا علماء في أغلب الأحيان. سوف تسمعونهم يتحدثون عن قوانين الحدود والزكاة وربما حظر الربا. ولكن لا أحد من الداعين للحكومة الإسلامية لديه المزيد من التفاصيل ليقدمه أكثر من هذا.
خصوم الشريعة الإسلامية هم على نفس القدر من الجهل، وهم أبعد ما يكونوا عن أي فهم لما تعنيه الحكومة الإسلامية.
وحقيقة الأمر هي أن هذا النقاش لن ينتهي طالما لا أحد يعلم حتى كيفية تعريف المصطلحات. فالسعودية تقول أن لديها أحكام الشريعة الإسلامية وقطر تقول أنها دولة أسلامية، وكذا دولة الإمارات والكويت وفي مصر تعتبر الشريعة مصدرا أساسيا للتشريع في البلاد. ولكن من من بين الاسلاميين يعتبر أيا من هذه الحكومات “إسلامية”؟. فبدون وجود تعريف فعلي علمي، نحن فقط نتعامل مع تفسيرات ذاتية.
من من بين الإسلاميين يمكنه أن يحدد ما هي الحكومة الإسلامية؟ وكيف تختلف عن أي من الأنظمة القائمة التي تدعي أنها تطبق الشريعة الإسلامية؟ ومن من بين الاسلاميين يعرف حتى ما هي الأحكام الشرعية المطلقة الصريحة من القرآن والسنة؟ من منهم يعرف أي مسائل الفقه محل إجماع وأيها فيه خلافات سائغة؟ كلا، الحكومة الإسلامية التي يدعون إليها هي من بنات مخيلاتهم لا أكثر ولا أقل. وهي كذلك لأنه ليس لديهم تصور لها.
إذا تم تشكيل حكومة غدا تلبي كل المتطلبات التي حددها العلماء لتشكيل الحكومة، ومتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية بصدق وحكومة إسلامية، فلن تعدم من المسلمين من يتذمر من أنها غير إسلامية، وسوف يظل الإسلاميون يشكون من نفس اﻷمر. سوف ينتقدها عامة الناس لأننا لا نملك ما يكفي من المعرفة لتحديد ما تعنيه الحكومة الإسلامية، وسوف ينتقدها الإسلاميون لأن وصف الحكومات بأنها غير إسلامية هو تجارتهم الرائجة.
فلن ترضي هذه المناقشة أي طرف.
ما يمكننا القيام به، وما علينا القيام به ، هو ببساطة أن نركز على قضايا معينة وسياسات معينة ومطالب محددة فيما يتعلق بقوانين وتصرفات الحكومات القائمة، في محاولة لتغييرها وإصلاحها وتقويمها، وجعلها أكثر اتساقا مع القانون والمبادئ الإسلامية.
الآن، وبصرف النظر عن ما سبق، لدينا صراع آخر، وهو النضال من أجل الاستقلال. النضال ضد الامبريالية ضد سلطة الشركات والاستعباد الاقتصادي لبلادنا وإخضاع مجتمعاتنا لامبراطورية رأس المال. هذا شيء لا يمكن تأجيله، إذ أن احتمالية إصلاح حكوماتنا بينما هي تابعة لأصحاب رؤوس الأموال العالمية هو أمر غير وارد على الإطلاق. يجب أن نحرر أنفسنا من استعمار الشركات قبل أن نأمل في إعادة تأهيل حكوماتنا. وسيكون أكثر فائدة بكثير لنا التركيز على هذا الصراع من الاستمرار في تجريد إقامة دولة إسلامية لا يمكن لأحد أن يحدد ملامحها.