“يمكننا جميعًا التعرف على الهراء الذي يعلو بعضه فوق بعض، عندما يسقط رأسا على عقب فور دخوله إلى الغرفة!”
– ديفيد برلينسكي
لقد تصدرت هذه المقالة وسائل التواصل الاجتماعي لأيام عدة، ونعم، هي عبارة عن هراء بعضه فوق بعض. وسأشارك الرابط في التعليقات بدلاً من وضعه في نص المنشور لأنني لا أريد أن يشارك أي شخص المقالة عن طريق الخطأ دون أن يكون هناك ردًا عليها.
اسمحوا لي أن أبدأ بتناول هذه الحجة على ظاهرها.
بادئ ذي بدء، تؤكد المقالة بشكل مخادع أن قيمة الحياة الإحصائية VSL (وهو مصطلح تستخدمه الحكومات لتعيين قيمة دولارية لحياة كل مواطن، ويقصد به تكلفة الحياة) موحدة لجميع الفئات العمرية. ولكن الأمر ليس كذلك.
تستخدم المقالة الحد الأقصى من الـ VSL لحساب التكلفة المالية لوفيات فيروس Covid المتوقعة، بدلاً الـ VSL المنخفض الذي يتم تطبيقه على كبار السن، الذين يشكلون الغالبية العظمى من وفيات Covid. أضف إلى ذلك حقيقة أن المسنين يمثلون تكلفة للحكومة من خلال البقاء على قيد الحياة، لأنهم يتلقون معاشات شهرية تصبح مدخرات للحكومة إذا ماتوا.
عندما تقوم بتعديل الـ VSL حسب العمر، فإن توقع المقالة لخسارة بقيمة 1 تريليون دولار، بسبب الوفيات المفترضة في حالة عدم الحظر والإقفال التام، تنخفض على الفور إلى 150 مليار دولار. وعندما تطرح مدفوعات المعاشات التقاعدية، من الواضح، أن هذه التكلفة تنخفض بما لا يقل عن 10 مليار دولار أخرى أو نحو ذلك. في موضع أخر من المقالة، يقدر المؤلف التكلفة الاقتصادية للإقفال التام بحوالي 90 مليار دولار. لذا فنحن بالفعل لدينا فرق 50 مليار دولار فقط بين تكلفة الإقفال التام مقابل تكلفة عدم الإقفال التام.
وبعبارة أخرى، فتمامًا مثل دراسة الكلية الملكية بالمملكة المتحدة، نجد أن التوقعات غير دقيقة بشكل كبير. فالهبوط من 1 تريليون دولار إلى 140 مليار دولار يشكل خطأ محاسبيًا هائلاً.
والآن، الشيء الآخر الذي يجب مراعاته هو ما إذا كانت وفيات Covid19 المتوقعة في حالة عدم وجود إقفال تام ستكون في الواقع حالات وفاة زائدة، أم أنها في الحقيقة تتوافق مع متوسط معدل الوفيات المتوقع في أستراليا (أو أي دولة أخرى ترغب في استخدام نفس هذه الحجة).
أظهرت البيانات العالمية أن فيروس Covid لم يؤد، بشكل عام، إلى زيادة كبيرة في الوفيات – حتى في إيطاليا؛ مما يعني أن الخسائر الاقتصادية المتوقعة التي يدعي المؤلف أنها ستنجم عن عدم وجود إقفال تام، من المرجح أن تحدث على أي حال. وهذا هو بالضبط السبب في أن الـ VSL الخاص بالمسنين أقل من الـ VSL الخاص بالشباب. لذا، إذا قدرنا أن نسبة قليلة فقط من وفيات Covid19 هي التي تعتبر وفيات زائدة، فإن هذه النسبة فقط هي التي ستعتبر خسائر اقتصادية فادحة أو يمكن تجنبها. في إيطاليا، يمكن اعتبار حوالي 10 ٪ فقط من وفيات Covid حالات وفاة زائدة، لذلك إذا طبقنا هذه المعادلة على أستراليا، فسينتهي بها الحال إلى خسارة مالية زادئة بإجمالي حوالي 2.8 مليار دولار فقط.
وبالتالي سننتقل من الـ 1 تريليون دولار إلى أقل بقليل من 3 مليارات دولار. تذكر أن المقال يقدر في موضع أخر التكلفة الاقتصادية للإقفال التام بحوالي 90 مليار دولار – أي 87 مليار دولار أكثر مما لو لم يكن هناك إقفال تام، وهذا عندما تكون أمينًا في التعامل مع الأرقام.
والآن لو نظرنا إلى الأمر بشكل أكثر دقة، تستند الحجة بأكملها على افتراض خاطئ وهو أن الإقفال التام ينقذ الأرواح. كما ذكر فإن نسبة صغيرة فقط من وفيات Covid تعتبر حالات وفاة زائدة على أي حال ولكن هذا كله على هامش الحديث. لم تفرض الحكومات عمليات الإقفال التام لإنقاذ الأرواح، ولكنهم فرضوه لتخفيف انتشار الفيروس – حتى ينتشر معدل الإصابة على مدى فترة زمنية أطول لاستيعاب أوجه القصور في نظام الرعاية الصحية. وبعبارة أخرى فإن عمليات الإقفال لا تهدف حتى لتجنب الوفيات الزائدة، ولكن تهدف إلى نشر حالات الوفاة الزائدة هذه عبر إطار زمني أطول، وهذا كل ما في الأمر. لذا ففي نهاية المطاف جميع الخسائر الاقتصادية التي تعزى إلى Covid19 ستحدث على أي حال مع أو بدون إقفال تام، وبالتالي فإن الحجة نفسها مغالطة كاملة.
وهذا يعني أنها ليست مسألة مقارنة بين خسائر الإقفال مقابل عدم الإقفال، ولكنها مسألة إضافة الخسائر المنسوبة إلى الفيروس إلى الخسائر التي تعزى إلى الإقفال.
إن إقفال الاقتصاد لا ولن وليس الهدف منه هو إنقاذ الأرواح وتقليل الخسائر الاقتصادية التي تسببها وفيات الفيروس. فتلك الوفيات وهذه الخسائر ستحدث في كلتا الحالتين، كل ما هنالك هو أنك مع الإقفال ستضيف (وفقًا للمؤلف) 90 مليار دولار أخرى من الخسائر الاقتصادية بالإضافة إلى الخسائر الناجمة عن الوفيات.
والآن نقطة أخيرة. يقول المؤلف إن الأموال التي أنفقتها الحكومة “كدعم” خلال فترة الإقفال التام لا ترقى إلى كونها “خسائر” وإنها “تحويل موارد من جزء من المجتمع إلى آخر” وهذا صحيح. إنها تحويل الأموال العامة إلى القطاع الخاص مصحبة بسياسة للإفقار الواسع والمديونية والإفلاس لعشرات الملايين من العاملين. لذلك فلا يمكنك ببساطة إلقاء نظرة على إجمالي الناتج المحلي لقياس تكلفة الإقفال التام على الصحة واستقرار اقتصادك. عليك أن تنظر إلى ديون الأسرة على أساس قيمة عملتك والتضخم وتكلفة المعيشة وما إلى ذلك. عندما تنظر إلى هذه المقاييس فإن الضرر الذي يلحق بالاقتصاد وحياة الناس يكاد يكون من الصعب فهمه وسيستمر لسنوات إن لم يكن لعقود.
هذه المقالة، مثلها مثل كل إسقاط خيالي آخر يخص فيروس Covid، خاطئة بشكل فادح ومحيرة للعقل وخطيرة بشكل مروع.