في محاولة منا للوصول الى حقيقة ما يقوم به بولسين بخصوص مصر، ولكي نتعرف أكثر على تياره الفكري واستراتيجياته السياسية والسبب في أن وسائل الإعلام قد صورته على أنه “الملهم لموجة من أعمال العنف”، قامت معه بهذا الحوار رادها ستيرلينغ – في يوم 2 ديسمبر 2016.
قررنا المتابعة مع شهيد، الذي ظل الى حد بعيد شخصية بارزة منذ إطلاق سراحه من دولة الإمارات العربية المتحدة. وقد تناولته وسائل الإعلام بتفاوت ملحوظ؛ فتارة يشيدون به وتارة أخرى يطعنون فيه، ولهذا أردنا الوصول إلى حقيقة الأمر عن طريق عمل هذا الحوار معه مباشرة.
رادها: لقد ظللت تكتب عن الوضع السياسي في مصر لنحو عامين حتى الآن، كيف بدأت في هذا العمل ولماذا قررت أن تركز عملك على مصر؟
شهيد: حسنا، لقد بدأت في هذا منذ 3 سنوات فعليا، أي أنني بدأت الكتابة منذ أن تم إطلاق سراحي من السجن. كنت أكتب عن مجموعة متنوعة من المواضيع الأخرى، ولكن نعم، كان تركيزي على مصر. فهي بلد مهمة جدا لأسباب عديدة. الربيع العربي، ثم إسقاط نظام مبارك، ثم انتخابات ديمقراطية لأول مرة في تاريخها، ثم انقلاب عسكري. وهذه السلسلة الرائعة من الأحداث وقعت في فترة قصيرة جدا من الزمن. فقد أوجد الربيع العربي نوع من الإثارة والأمل كانا السبب في خلق فرصة لإحداث تغيير حقيقي في البلاد، واستمرت هذه الروح حتى في ظل القمع الشديد في السنوات الـ 3 الماضية.
لقد بدأت أهتم بالموضوع حتى وأنا في السجن، فالناس عادة تركز اهتمامها على القضايا السياسية السطحية، وتتغاضي عن الديناميكيات الأكثر أهمية للقوة الاقتصادية التي تؤثر فعليا على الحياة في مصر. وقد ثبت فعلا أن هذه المخاوف لها ما يبررها. لذلك أردت أن أفعل كل ما بوسعي لتسليط الضوء على هذه القضايا؛ لكي أدق ناقوس الخطر محذرا من النيوليبرالية والقوة الغالبة للشركات متعددة الجنسيات. عبد الفتاح السيسي يبدو لي كما لو كان مستنسخًا من أوغستو بينوشيه، ولقد كنت أكتب منذ عام 2003 عن أن الولايات المتحدة من المرجح أنها ستكرر في الشرق الأوسط تجربتها التي وقعت بين سبعينات وثمانيات القرن الماضي في أمريكا اللاتينية، وهذا ما أراه يحدث.
مصر تعتبر بوابة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالكامل؛ حيث أن لها أهمية استراتيجية هائلة، لذلك أردت أن أفعل كل ما هو ممكن لدعم المعارضة المناوئة للانقلاب ومساعدة مصر على استرداد وعد الديمقراطية والاستقلال اللذان سلبا منها بعد أن ظهرا للمرة الأولى مع الربيع العربي.
رادها: ما هو انطباعك العام عن الوضع هناك؟
شهيد: انطباعي هو أن النظام العسكري المنبثق عن الانقلاب وجد خصيصا لفرض السياسات الاقتصادية النيوليبرالية. وأن الدافع وراء الانقلاب كان في المقام الأول هو المصالح الاقتصادية للجيش المصري، وأنهم سيتتبعون مسارًا ينتهي بمصر في عبودية الديون والتبعية العميقة للشركات متعددة الجنسيات والمستثمرين الأجانب، مما سيقضي تماما على سيادتها. رأيت أيضا (على ما يبدو لي) أنه لم يكن هناك من يلاحظ هذا الأمر! فالأحزاب السياسية المعارضة تعطي القليل جدا من الاهتمام بالقضايا الاقتصادية، و”عقيدة الصدمة” كما تسميها نعومي كلاين، كان يجري تنفيذها في مصر بشكل صارخ جدا، ولا يبدو أن هناك من يعبأ حقا بهذا. فبسبب الربيع العربي، كانت هناك بقايا روح ثورية وحماس اعتقدت أنه يمكن حشدهم للقيام بمعارضة فعالة ضد جدول الأعمال هذا.
رادها: لقد كنت تعمل ككبير المحللين لدى حملة مكافحة العدوان العالمي، فما هو هدفهم الرئيسي؟ وماذا كان دورك هناك بالضبط؟
شهيد: عندما خرجت لأول مرة من السجن كنت في حاجة إلى العمل، وكنت أعرف مدير هذه المنظمة عندما كنت أعيش في ميشيغان، وقد وظفني لإدارة موقعهم الإنجليزي ولكتابة مقالات تحليلية للأحداث الجارية في العالم الإسلامي. ولكي أكون صادقا، أنا لا أعرف حقا الكثير عن هذه المنظمة، إلا أنها من المفترض أن تكون نوعا من المظلة لمنظمات غير حكومية ومحلية في مختلف البلدان تعمل على تنظيم برامج إغاثة وبرامج مناهضة للحروب، ثم اتضح، أن الموقع الإنجليزي لا يمثل أولوية بالنسبة لهم، ولهذا فقد استمريت معهم فقط لفترة قصيرة.
رادها: وماذا كنت تحاول أن تحققه من خلال هذه الحملات؟
شهيد: حقيقة، أنا لا أرى أنني كنت أقوم بأي حملات أو أنني أقوم بها الأن، فأنا أكتب تحليلي للوضع في مصر، في محاولة لرفع مستوى الوعي واقتراح استراتيجيات للتمكين الشعبي والإصلاح الديمقراطي، وفي الوقت نفسه، أحاول (في مصر) أن أنقل تركيز الحركات الثورية بعيدا عن السعي لسيناريو شبيه بما حدث في سوريا. فالكثير من الناس يدعون للكفاح المسلح، “للجهاد”، أو لحرب أهلية، وأنا أرى أن هذا كارثي. فما يحدث في مصر، وفي العديد من الأماكن الأخرى، هو أن السلطة يتم نقلها من الدولة إلى القطاع الخاص. وكان من المنطقي أن يقوم نشطاء المعارضة يوجهون بتغيير بؤرة انتباههم وفقا لذلك، وأعتقد أن الحركة العمالية الأمريكية نموذجا مفيدا للغاية في هذا السيناريو.
هذا هو ما كنت أدعوا إليه باختصار؛ تعطيل سير التصنيع وتنظيم القاعدة الشعبية من العمال والمستهلكين لكي يضغطوا على الشركات حتى تدعم الديمقراطية والعدالة في مصر.
رادها: لقد تمكنت من جذب أنظار الكثير من المتابعين على وسائل الاعلام الاجتماعية، فماذا كنت تحاول أن تلهم أتباعك بفعله؟
شهيد: لقد تطور كل هذا يوما بعد يوم على مدى السنوات الـ 3 الماضية، كنت في البداية أدفع مقابل مادي نظير خدمات الترجمة بهدف ترجمة منشوراتي إلى اللغة العربية، ولكن في نهاية الأمر بدأ الناس يتطوعون لهذه المهمة. ومن الواضح، أن هذا قد مكن كتابتي من الانتشار بشكل أكثر فعالية، فالصفحة يتابعها ما يقرب من 75،000 اليوم، رغم صعوبة قياس المتابعة الفعلية. أنواع التكتيكات التي أوصي بها كلها أساليب معتادة تستخدمها الحركات العمالية والناشطين المناهضين للعولمة وغيرهم. بشكل أساسي أنا أدعو لتعطل ربحية الشركات وكفاءتها التشغيلية، بدون إراقة دماء، وبدون اللجوء إلى العنف. والهدف من هذا هو رفع تكلفة ممارسة الأعمال التجارية في ظل وجود نظام غير ديمقراطي، هذا من الناحية النظرية. والهدف هو إجبار الشركات متعددة الجنسيات على استخدام نفوذها الهائل الذي لا مثيل له، من أجل دعم الإرادة الشعبية.
رادها: لقد كنت أتابع عملك منذ البداية، ويبدو أنه كان يلهم أتباعك ويحثهم على العمل، فهل كانت لك أية علاقات مع أية مجموعات في مصر تعمل على تحويل أراءك وأفكارك إلى أفعال على أرض الواقع؟
شهيد: أبدا على الإطلاق! في الواقع، لم يتم تفعيل أيا من التحركات التي اقترحتها بشكل خاص في مصر في أي وقت، والأعمال التي ألصقتها وسائل الإعلام بي أو بتأثير كتاباتي لم تكن أعمال قد أوصيت بها على الإطلاق. فأكثر ما يمكن أن يقال هو أن بعض المجموعات ربما تكون قد لاحظت كتاباتي، وتأكيدي على أهمية سلطة الشركات، ثم دمجت هذا في استراتيجياتها الخاصة وبطريقتها الخاصة. ولكني لم أتواصل مع أية مجموعات، ولا أنتمي إلى أية مجموعات، بل أنني كتبت كثيرا جدا عن أن الانتماء لمجموعات يقيد الشخص كثيرا، ويعتبر غير مثمر بالمرة.
رادها: هل ستستمر في مواصلة التركيز على مصر؟
شهيد: في 11 نوفمبر (2016) وافق صندوق النقد الدولي على قرض بـ12 مليار دولار لمصر، وهو أكبر قرض يتم إعطائه في هذه المنطقة، ويعتبر هذا الاتفاق ساري لمدة 20 عاما، وبالنسبة لي هذا يعني أن “اللعبة قد انتهت” فيم يتعلق بمصر. فكمية العمل التي سيكون على الشعب المصري القيام بها لمواجهة برنامج التقشف واستعادة استقلالها السياسي وسيادتها الاقتصادية، تعتبر خرافية في هذه المرحلة. أي أنه، وبمنتهى الصراحة، لم يعد هناك المزيد بالنسبة لي كي أقوله عن مصر.
رادها: البحث بمحرك جوجل عن اسمك أظهر عددا من النتائج، وهي تبين أنك في الواقع، كنت توجه المصريون إلى استهداف الشركات متعددة الجنسيات وكنت “الملهم لموجة من أعمال العنف” في جميع أنحاء مصر. وتقول التقارير أنك تقدم معلومات استهدافية وعناوين للشركات؟
شهيد: كل ما كنت أكتبه كان بهدف توفير بدائل للعنف، مع تقديم استراتيجيات مقاومة ضد الانقلاب يمكن أن تساهم في الدفع بمطالب الربيع العربي، التي هي تحديدا؛ عيش – حرية – عدالة اجتماعية.
الشركات متعددة الجنسيات هي أقوى كيانات فاعلة غير دولية على الساحة العالمية، وطبعا هي كذلك في مصر، وليس ثمة شك فيه أن لديهم القوة الاقتصادية والسياسية للضغط على السياسات؛ وهي قوة أكثر بكثير من تلك التي يمتلكها الشعب. وخلال منشوراتي العامة، كنت أنصح النشطاء في مصر باستهداف الشركات بدون عنف للضغط عليهم من أجل تحويل نفوذهم إلى المسار الديمقراطي، فاقترحت أسماء العديد من الشركات، وقدمت عناوينهم (وهذه المعلومات كلها متاحة للجميع وتعتبر معلومات عامة)، لتسهيل عمل النشطاء، ولا أرى أي سبب يجعل هذا الأمر مثيرا للجدل! ولكن مرة أخرى، أحب أن أكرر أنه لا توجد أي شركة اقترحتها تم استهدافها في أي وقت وبأي حال من الأحوال، لذا فأنا لست متأكدا كيف يمكن الادعاء بأن هناك أي شخص في مصر كان يتصرف بناء على تعليماتي.
(جزء واحد من ثلاثة)
External Context سياق خارجي
http://www.detainedindubai.org/interview-with-shahid-bolsen