من الواضح أن المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة قد نظرت إلى المسئولية الاجتماعية للشركات هي مسالة من الأفضل أن يتم تركها للتنظيم الذاتي من الشركات ذاتها. ففكرة وجود أي رقابة على التزام الشركات بمعايير حقوق الإنسان يمكن القيام بها بصفة تطوعية من الشركات ذاتها، فهو بالطبع أمر سخيف. في عام 2003 قدمت اللجنة الفرعية للأمم المتحدة لشئون تعزيز وحماية حقوق الإنسان عرض يُسمى ” القواعد المتعلقة بمسؤوليات الشركات الدولية وغيرها من مؤسسات الأعمال فيما يتعلق بحقوق الإنسان”، والذي حاول وضع قواعد يكون على الشركات احترامها في مجال حقوق الإنسان، وقانون العمل، وحماية البيئة، وحماية المستهلك، ومنع الفساد … إلخ. والأكثر أهمية الالتزام بهذه المبادئ لن يتم تركه كتدابير تطوعية من الشركات، بل سيتم إلزامها قانوناً بالالتزام به.
بينما قد تكون هذه خطوة مهمة للغاية تجاه فرض المُسائلة على الشركات في القيام بأنشطتها، إلا أنها لا تتناول القوة التي لا تُضاهى للشركات متعددة الجنسيات مثل الجهات الفعالة السياسية الغير حكومية. يحدد القانون الدولي الجهات الفاعلة الغير حكومية بصفة أساسية مثل المجموعات المتمردة المُسلحة والتي لا تهدف، أو تتحدى، أو تسعى لإسقاط السلطة الحاكمة الحالية للدولة. والآن، إذا ظهر فصيل مُسلح في الدولة يتحدى الدولة فهو يعتبر جهة فاعلة غير حكومية يهدد استقرار البلاد، وبالتأكيد سيتم اعتبار الشركات متعددة الجنسيات (والتي تعمل قوتها السياسية على تقزيم أي حكومة في العالم النامي) كجهات فاعلة غير حكومية أيضاً، والتي يمكنها، والتي تقوم، بزعزة استقرار البلاد التي تعمل بها. لماذا يجب إخضاع أي فصيل مُسلح من المواطنين في الدولة والذين يسعون لفرض إرادتهم على الدولة للقانون الدولي، بينما لا يكون الأمر كذلك مع الهيئات الأجنبية التي تسعى لفرض إرادتها على الدولة من خلال سلاح المال، والاستثمار المُفترس، والديون، والابتزاز الاقتصادي؟ عند وجود شركات ضخمة تقول للدولة “إما أن تلتزموا بمطالبنا، أو سنعاقب اقتصادكم، ونحرمكم من التجارة، ونحرمكم من التكنولوجيا، وما إلى ذلك” إنه مستوى من العدوان لم يستطع أن يصل إليه فصيل سياسي.