حسب فهمي لذلك المقال الرائع ( حيث قرأت ترجمة للنص الأصلي ) يحتج المؤلف المحترم بأن الأنظمة الدكتاتورية لا يمكن تنحيتها بسبب فشلها الاقتصادي. فطالما تمكن الحاكم من الإمساك بأدوات القمع في دولته ( الشرطة والجيش والمخابرات إلخ ) سيكون الشعب خائفا ً من القيام بفعل ثوري ضده حتى لو عاش هذا الشعب في فقر مدقع وقمع. ويقول الكاتب إنه حتى في حالة تراجع الاقتصاد في مصر فلن يعدم النظام وسائل للخروج من الأزمات حتى لو بفرض مزيد من الأعباء على الناس كي يحافظ على سطوته. هذا ما فهمته من المقال المذكور.
هناك بعض الاستثناءات الواضحة من نفي الفعل الثوري عن الطبقة الفقيرة. فهناك الثورة الفرنسية على سبيل المثال والإيرانية والأمريكية وحتى ثورات الربيع العربي كان دافعها الجوهري هو الغضب الاجتماعي الاقتصادي. كما قامت في وجه أنظمة لم تكن معروفة بالضعف, إلا أن النظرية لا تزال لها بعض الوجاهة.
ولكن تجدر الإشارة إلى أنه في ظل امبراطورية الرأسمالية الحديثة يتوجب على الطاغية أن يضعف الاقتصاد المحلي. وهذه هي النيوليبرالية باختصار. فكل الأساس الذي تقوم عليه سياسات الاقتصاد الكلي والتي يتطلبها مجتمع البيزنس الدولي هو وصفة مجربة لتدمير الاقتصاد, ومن ثم تركه هشا ً مكشوفا ً أمام مصالح الشركات متعددة الجنسيات والمستثمرين الأجانب. فالتعريف الاستعماري للاقتصاد النشط هو الاقتصاد الذي نجح في شل مقدراته بحيث لم يعد ثمة أمل في تحقيقه الاكتفاء الذاتي.
تعتمد ” قوة قصر الحكم ” حصرا ً على قدرة الحاكم على تنفيذ وظيفته المؤسسية داخل النظام الاستعماري. وتشمل هذه الوظائف توجيه الموارد المحلية للمستثمرين الأجانب, تدمير المنافسة الوطنية لصالح الشركات متعددة الجنسيات ومضاعفة نصيبها وربحيتها وكذا إرهاب الشعب.
من المهم فهم ما سبق لأنه يعني أن إزاحة طاغية ما لن تقضي فورا ً على معاناة الناس. يجب أن يكون هذا واضحا ً خاصة للمصريين. ففي ظل نظام استعماري, يكون تثوير الناس في وجه الطاغية تضليلا ً
يجب أن تقوم الثورة في وجه النظام الاستعماري بذاته, ثورة من أجل الاستقلال. ويجب ألا تكون أهداف الفعل الثوري هي السيطرة على أطراف الدولة , بل مؤسسات النفوذ والتحكم الحقيقية التي هي أدوات النظام الاستعماري. وبهذا نعني الشركات متعددة الجنسيات والمؤسسات المالية ومصالح المستثمرين الأجانب.