لطالما كان الدور الأصلي للحملات الدعائية إقناع الناس للإيمان أو المساندة لفكرة أو سياسة لم يكونوا ليقبلوا بها في تقييماتهم الأولية لها. وكانت هذه الحملات بشكل أو بآخر أحد أساليب الإغواء التي تخاطب المشاعر والغرائز أكثر مما تخاطب العقل.
أما اليوم – على ما أرى – فإن الحملات الدعائية تستهدف عمدا ً أن تخلق حالة تناقض إدراكي بين الجمهور. وهو عبارة عن نوع من الاضطراب العقلي حيث يعتنق الفرد أفكارا ً ومواقف متضاربة, خاصة تلك المتعلقة بسلوكه الخاص والحقائق المعاشة من حوله. وتعتبر هذه الحالة العقلية مفيدة جدا ً للحكام لأن رد الفعل الغريزي عند أغلب المصابين بالتناقض الإدراكي هو أن يوقفوا التحليل العقلاني ببساطة, ويركنوا إلى التقوقع دون أن يحاولوا حتى فهم أي شئ على الإطلاق. فيسهل كثيرا ً قيادهم وقهرهم لأن ما حدث فعليا ًهو أنهم قهروا أنفسهم. فيتوقفون عن مطابقة أفعالهم مع ما يؤمنون به.
هذا النوع من العذاب النفسي هو أحد الأساليب المتبعة في الاستجواب. فالهدف أن يتوه المحتجز ويضطرب ويشك في آراءه وتنهار قدرته على التفكير. لعلك تلاحظ – مثلا ً– في الإعلام الرائج كيف تترافق الأخبار بالغة الأهمية مع الأخبار بالغة التفاهة. فقد يأتيك خبر عن مذبحة متبوعا ً بخبر عن ريجيم لإحدى الممثلات. أو قد ترى مقالا ً إلكترونيا ً عن المجاعات وعلى هامش الخبر صور لمشاهير خضعن لعمليات تجميل. هذا النوع من تناقض المواضيع يؤثر على قدرة العقل على التمييز وهو يعالج المعلومات. إذ يصبح كل شئ تافها ً. وهذا مثير للاضطراب والتيه لأننا جبلنا على التمييز بين الغث والسمين, ولكنهم يعبثون بمعالجتنا للأفكار ويتدخلون في حكمنا على الأمور.
مع مرور الوقت, وفي عصر التغطية الإخبارية المتواصلة على مدار اليوم والانفجار المعلوماتي على الإنترنت, تؤدي معزوفة النشاز هذه إلى انتكاس الفكر.