تضييق دائرة الخيارات
إنها لفرضية خاطئة أن نظن أن الخيارات الاستراتيجية في مصر (أو في أي مكان آخر) تقتصر على شيئين فقط، إما احتجاجات سلمية في الشوارع أو كفاح مسلح وعنيف، فلا أحد يمتلك قدر ولو قليل من العقل سيدعوا إلى حرب عصابات دموية في مصر، فأيً كان من يريد فعلا إنهاء الانقلاب وتحسين الحياة في مصر لن يحاول أن يثير فيها حرب أهلية، لأنه عندما تتحول الحركات المقاومة إلى الدموية فإنها ستفقد على الفور غالبية الدعم الشعبي … وهو ما يستحقون.
فمن خلال الزعم كذبًا بأن البديل للاحتجاجات العقيمة في الشوارع هو الحرب الأهلية، استطاعت جماعة الإخوان المسلمين أن تقنع الناس بأن يكتفوا بما لا جدوى منه، لأنه لا أحد يريد الحرب، وها نحن نرى هذه “البرمجة” تظهر علينا في أي وقت ننتقد فيه مبدأ “سلميتنا أقوى من الرصاص” وهي تعويذة الإخوان، فنرى على الفور شخصًا يرد قائلا، “إذا فأنت تتبنى إراقة الدماء والعنف؟” فمن خلال الشعار نفسه، تمكنوا بذكاء من تضييق دائرة الخيارات إلى هذين الخيارين: السلمية أو الرصاص… وهذا التحديد في الخيارات الاستراتيجية بين “السلمية” أو “العنف” قدم فائدتين للإخوان… الأولى هي أنهم يعرفون أن معظم الناس سوف يختارون استراتيجية “السلمية” ببساطة لأنهم يكرهون العنف؛ والثانية هو أن الحفاظ على التزام العام بالسلمية سيحافظ على إمكانية الدمج في نهاية المطاف مع النظام بشكل أو أخر (أو على الأقل هذا ما يتصورونه، بسذاجتهم المزمنة).
ولكن، بطبيعة الحال، هناك العديد من الخيارات الاستراتيجية الأخرى، فمنتقمو دلتا النيجر على سبيل المثال، تمكنوا بنجاح من شل إنتاجية شركة شيفرون في نيجيريا، وبالتالي وضعوا ضغط هائل على الحكومة للرضوخ لمطالبهم، دون إراقة قطرة دم.
التعطيل الاقتصادي هو إلى حد بعيد الأسلوب الأكثر فعالية لتحقيق المطالب السياسية، والأمر لا يتطلب أي عنف، إلا إذا كنت تعتبر أن الإضرار بالممتلكات يتساوى مع الخسائر البشرية، وهو شيء غريب جدا.
الإخوان المسلمون جزء من النظام، ولا يريدون الإطاحة بالنظام، ولكنهم يريدون تأمين مواقعهم في بنية السلطة القائمة، ولهذا فهم لا يدعون فقط إلى استراتيجيات لا تهدد النظام بشكل جذري، ولكنهم أيضا يحاولون أن يبعدوا من الاعتبار أية استراتيجيات بديلة يمكنها في الواقع أن تسقط النظام.