ما المقصود بالحكومة الإسلامية؟
الكثير من الإخوة والأخوات الذين يؤكدون على أهمية الحكومة الإسلامية لم يفكرون حتى في كُنه أو معنى هذا الأمر، وفي الواقع أنا فعليًا لم أقابل أي شخص استطاع أن يحدد المقصود بشكل واضح… وليست “الشريعة” هي التعريف المقصود في هذه الحالة.
لقد أخبرنا رسول الله ﷺ أن الخلافة على منهاج النبوة ستنتهي بعد 30 عاما من وفاته، وهذا تحديدًا في الفترة ما بين أبي بكر والحسن ابن علي (رضي الله عنهما جميعًا)، وبعد ذلك، أخبرنا أن شكل الحكم سيشبه النظام الملكي، ثم بعد ذلك نصل إلى عصر “الملك الجبري”، أي الطغاة المفروضين على الشعوب. لذا فحري بنا أن نتفكر مليا، هل هاتين المرحلتين الأخيرتين “غير إسلاميتين”؟ إذا كان الأمر كذلك، فالحكومة الإسلامية لم تزد بنا عن 40 عاما فقط من تاريخنا، ولهذا دعوني أسأل: هل يجب على الحكومة أن تكون على منهاج النبوة لكي نعتبرها إسلامية؟ هل هذا ما نقصده عندما نقول أننا نريد حكومة إسلامية؟
حسنا، هذه مشكلة! لأن رسول الله ﷺ عندما أخبرنا أن حكومتنا ستتوقف عن كونها على منهاج النبوة، لم يأمرنا أن نطيح بها ولكنه أمرنا أن نطيعها، حتى لو كانت لا تروق لنا، وحتى إن كانت فيها عناصر لا نعترف أنها من الدين، وحتى لو كانت ظالمة… ولكنه أمرنا أن نحارب الحكومة فقط إذا أظهرت الكفر البواح، وهذا البيان في حد ذاته يوضح أن المرحلتين الأخيرتين (المذكورتين آنفا) من أنواع الحكومات تعتبرا في الواقع إسلاميتين… هي مراحل معيبة، نعم، ولكنها مع هذا إسلامية.
إذا فالجهاديين والخلافَويين (مصطلح منحوت حديثًا ومقصود به من يصرون على الخلافة الإسلامية كمعتقد) يواجهون مأزقًا، فهم يقولون لنا أنه من واجبنا أن نؤسس حكومة إسلامية، ولكن هذا حادث لدينا بالفعل ما لم تظهر هذه الحكومة الكفر البواح، حتى وإن كانت ظالمة أو معيبة! لذا فما يقصدونه فعلا هو أنه “واجب” علينا أن نطيح بالحكومة لأنها ليست إسلامية بما فيه الكفاية، مع أن هذا يتناقض مع أوامر نبينا ﷺ.
لقد أوضح العلماء أن الحكومة تعتبر “إسلامية” طالما أنها تعمل على إقامة أهم مبادئ الدين بشكل واضح في المجتمع، وأهم هذه المبادئ هو الصلاة. وطالما وجدت هذه العناصر، فلا يجوز التمرد على هذه الحكومة، وهذا الرأي هو الرأي المفضل للشيخ المفضل للجهاديين (شيخ الإسلام ابن تيمية) رغم أنهم يختارون تجاهل هذه الحقيقة.
يخبرنا هؤلاء الخلافَووين أن وجود “إمام” يعتبر شيء إلزامي، أي حاكم مسلم واحد للأمة بأكملها، وأنه علينا أن نقاتل لإقامة هذا، ولكن الحقيقة هي أنه لا يجب علينا هذا! فعندما سُئل رسول الله ﷺ ما ينبغي علينا فعله في حالة عدم وجود إمام، قال أنه يجب علينا أن نبتعد عن كل الطوائف التي تتنافس على السلطة، وأن نعزل أنفسنا عنهم، ولم يقل مثلا: “قاتلوا في سبيل الله لتوحيد المسلمين تحت إمارة حاكم واحد لكي تقيموا دولة الخلافة على منهاج النبوة”، ومن المفارقات المذهلة أن من يدعون بشكل صاخب لتشكيل حكومة القرآن والسنة، لا يترددون في تجاهل أقوال النبي ﷺ.
وهذا يذكرني بالشعب الذي أراد أن يصوم باستمرار، ويصلي طوال الليل، ويمتنع عن العلاقات الزوجية كوسيلة لعبادة الله بشكل أكثر تدينا وتقوى، لأنهم شعروا أن عبادة رسول الله ﷺ لم تكن كافية بالنسبة لهم.
إذا كنتم ستناقشون السياسة والحكومة في ضوء القرآن والسنة، فحسنا، يجب أن نبدأ مما قاله الله ورسوله لنا، وهو طاعة الحاكم إلا إذا أظهر الكفر البواح، والظلم والقمع ليسوا كفرًا بواحًا، وارتكاب الذنوب والمعاصي ليس كفرًا بواحًا، وكذلك فإدخال عناصر في نظام الحكم لا تتفق مع الخلافة على منهاج النبوة ليس كفرًا بواحًا.
من فضلكم أيها الأخوة، اعرفوا أولا ما قاله أهل العلم في هذه المسألة، واعرفوا ما هي الأمور التي تؤهل الحكومة لأن تكون متوافقة مع الدين، وما يؤهلها لأن تكون إسلامية، لأنكم ستندهشون للغاية عندما تكتشفون أن هذه الشروط قليلة جدا.
وأنا أعلم، بالطبع، أن الكثير من الشباب الغاضب سيعترض على هذا، وأنا نفسي كنت شابًا غاضبًا في وقت ما، وأحفظ النص الجهادي عن ظهر قلب، وهو ليس نصا جديدا، إخوتي! ربما هو جديد بالنسبة لكم، ولكننا سمعناه مرات لا تعد ولا تحصى قبل حتى أن يولد العديد منكم، وكان مقنعًا جدا قبل أن نعرف حقيقة أنه ليس مقنعًا في شيء.
ستقولون، “إذا! هل يفترض بنا أن نستسلم وننبطح هكذا؟ وأن نطيع الحكام الفاسدين؟ ألا نقاتل من أجل إقامة الشريعة؟!”
لا طبعا! يجب عليكم المقاومة والاحتجاج، ويجب عليكم وضع كل الوسائل الاستراتيجية الممكنة، للنضال من أجل الإصلاح الإسلامي، وفي بلدان مثل مصر، يجب أن تدركوا أن حاكم البلاد ليس هو عبد الفتاح السيسي، ولكن حكامكم هم أصحاب رؤوس الأموال العالمية الذي يخضع لهم السيسي ويعتمد عليهم، ويسمح لكم، في الواقع، أن تحاربونهم حتى تحرروا حكومتكم من سيطرتهم.