لا شك أن تقديرنا لتفاني الغرب للمسيحية وتفانيهم المنضبط لتدمير عقيدتنا كان سيصبح عالي جدًا وبشكل غير عادي، إذا كنا نعتقد حقا أن تقبلهم للإسلام غير قابل للشراء، بينما ما نراه بين شعوبنا، وخاصة بين الأغنياء والأقوياء منهم، هو السهولة التي يبيعون بها دينهم مقابل الثروة والمكانة، ورغم هذا نحن نعتقد أن الكفار لن “يخونوا” أبدًا كراهيتهم الدينية للإسلام في مقابل تحقيق مكاسب دنيوية.
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز:
هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور (آل عمران: 119).
لو دققنا النظر، لوجدنا أن الله يخبرنا ما معناه “نعم… هم قادرون تمامًا على السيطرة على كراهيتهم إذا كان في مصلحتهم القيام بذلك”… في الواقع، كل معاهدة تعاهدها رسول الله ﷺ مع مختلف القبائل العربية المشركة، مثل بني ضمرة ومدلج وغفار وجهينة، كانت تستند على هذا الواقع، وتثبته.
إذا تناولنا أي آية مجتزأة خارج سياقها، ما لم تكن تحتوي على حكم صريح، فلا شك أننا لن نفهما على الوجه الصحيح.
وعلى سبيل المثال إذا نظرنا إلى هذه الآية:
…وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ… (البقرة: 217).
فإن لم نفهمها ضمن سياقها، لا شك أننا كنا سنعتقد أن الآية التالية تتحدث عن سيناريو مستحيل:
وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (الأنفال: 61).
لا طبعا، ونحن نعلم من السيرة، ونعرف من التاريخ، وكذلك نعرف من حياتنا الشخصية أنهم سيساومون عادة في عداءهم عندما تكون مصالحهم المادية على المحك.
لهذا السبب قامت قريش بتعديل صلح الحديبية للسماح للمسلمين بالهجرة إلى المدينة عندما كانت قوافلهم تهاجم باستمرار من قبل أبو بصير وأهل سيف البحر.
ولهذا السبب عقدت القبائل العربية المشركة اتفاقات مع رسول الله ﷺ على الرغم من أنها لم تتوقف عن كره الإسلام.
حتى لو نظرنا إلى أنفسنا على المستوى الفردي لن نجد لدينا التزام تام تجاه ديننا، ومعظمنا نتنازل كثيرًا عن إسلامنا بطريقة أو بأخرى من أجل مشاغل الحياة، فما بالكم بالكفار، الذين يتمحور نظامهم العقدي بالكامل حول مشاغل الحياة؟