الحدود التي يتم وضعها على سريان دورات الكونجرس، تعني عمليًا أن كل عضو فيه سيبدأ في الانشغال بمسألة إعادة انتخابه مباشرة بدأ من النصف الثاني من مدة عضويته فيه، وأن أعضاء مجلس النواب، بشكل أساسي، يكونون في حالة مستمرة من الدعاية الانتخابية للحفاظ على مقاعدهم. علمًا بأن تكلفة تلك المقاعد تبلغ أرقامًا فلكية.
تُظهِر بيانات لجنة الانتخاب الفيدرالية أنه حتى عام 2012 بلغ متوسط تكلفة الحملة الانتخابية للعضو الناجح (سواء للحصول على مقعد في المجلس أو لإعادة انتخابه) حوالي 10.5 مليون دولار. فتكلفة النجاح أو البقاء كعضو في مجلس النواب تصل إلى نحو 1.6 مليون دولار، والراتب السنوي لعضو مجلس الشيوخ يبلغ 175 ألف دولار، لذا فمن الواضح أن تكلفة مثل هذه الحملات لا يتم تغطيتها من خلال التمويل الذاتي، ولكن تتولاها لجان العمل السياسي عن طريق أموال الأثرياء والشركات ونسبة ضئيلة من عامة المواطنين.
يقول دانييل نيومان رئيس منظمة مابلايت (MapLight) المعنية بمراقبة تمويل الحملات الانتخابية، “أغلب المصانع تدفع الأموال لأعضاء الكونجرس لشراء النفوذ والتأثير … ويمكن للشركات أن تنفق أحياًنا مبالغ لا حدود لها في تلك السباقات. والنتيجة هي أن أعضاء الكونجرس يخشون التصويت ضد هذه الشركات لكي لا يضعوا كل هذه الأموال على المحك.” أي أن السياسي يستخدم المال لشراء الكرسي، والمتبرع يستخدم المال لشراء السياسي. ومن هنا نرى كيف أن الأثرياء والشركات يتعاملون مع التبرعات السياسية، بشكل أساسي، على أنها نوع من الاستثمار.
يتواصل تمويل الحملات من خلال لجان العمل السياسي والشركات طوال سريان دورة النائب داخل الكونجرس بواسطة مال تم إنفاقه للتكتل السياسي مع أو ضد اقتراحات تشريعية بعينها قد يكون لها أثر مباشر أو غير مباشر على خطط أعمال أي شركة من هذه الشركات.
الحملات التمويلية المتواصلة لأعضاء الكونجرس ليس من شأنها فقط أن تحدد طريقة تصويت هؤلاء السياسيين لنيل رضا رعاتهم، بل أنها أيضًا تحدد القضايا المطروحة للنقاش في السباق الانتخابي وخلال الدورة البرلمانية. وهذا يشوه العملية السياسية برمتها في البلاد، إذ يخلق قضايا وهمية ويغض الطرف عن القضايا الحقيقية. مما يؤدي إلى تهميش أكثر لعامة الناس ومصالحهم وهمومهم.
وطالما أن السلطة الأمريكية – كما ذكرنا – تقع تحت سيطرة الحكومة، وطالما أن الفرع الأهم في الحكومة منخرط في سعي دائم وراء تلقي الدعم المالي من الشركات والأثرياء، فهذا يعني أن السلطة تقع بشكل كبير تحت إدارة القطاع الخاص.
#1200_Crescent_Moons
#ألف_ومائتا_هلال
مقطع من كتاب “ألف ومائتا هلال” قريبًا بإذن الله.