يبدو أن جزءا كبيرا من أمتنا يعاني من مرض انفصام الشخصية السريري، وغير قادر على فهم العلاقة بين السبب والنتيجة، وبين الأفعال والعواقب، ولا يمكنهم فهم أنه في بعض الأحيان عند اتخاذ القرارات، تكون العواقب لا رجعة فيها. بل في الواقع يمكن أن تذهب أبعد من نقطة اللاعودة. وفي تلك المرحلة، تكون حرفيا في حالة لا سبيل فيها للخروج. إلا بمرور الوقت ربما. والعقود والأجيال ستعيش عواقب هذه القرارات.
قرض صندوق النقد الدولي لمصر مثال على ذلك. وهذا ما يدعوه علماء السياسية “منعطف تاريخي” . لا شيء يبقى على حاله بعد هذا النوع من الأحداث. فمصر الآن مثقلة باتفاقية ديون لعشرين عاما ب12 مليار دولار من شأنها أن تكلف ضعف المبلغ في الوقت الذي يتم سداده. ولن يتم سداده، لأن شروط الاتفاق تجعل من السداد أمرا مستحيلا. لقد تبخرت السيادة الاقتصادية المصرية، وتبخر أي أمل فيها يوم 11 نوفمبر 2016. وما قد ينتج عن هذا سيستمر لأجيال.
في سوريا، وبعد عدة أشهر من الاحتجاجات السلمية والقمع الوحشي، جزء من الشعب السوري (ليس اﻷغلبية بأي حال من الأحوال) اتخذ قرارا للقيام بثورة مسلحة. وقد أدى هذا القرار إلى تخريب المجتمع بأكمله وقتل مئات الالاف وفرار ملايين اللاجئين وتشريد ملايين آخرين داخليا. تدهورت البنية التحتية إلى حد العدم. جيل واحد على الأقل من الأطفال سينمو دون الحصول على التعليم، ولن يعرف شيئا سوى الحرب. في غضون بضع سنوات من بداية النزاع المسلح ستكون تكلفة إعادة بناء سوريا بالفعل قد تجاوزت بكثير الناتج المحلي الإجمالي السنوي قبل الحرب في البلاد. لا يوجد أساسا حتى بقايا اقتصاد. حتى لو تصورت أن المتمردين يمكن أن يتقدموا إلى الأمام مجتاحين كامل الدولة فهذه حقائق لا رجعة فيها ولسوف تحدد مستقبل الشعب السوري لفترة أطول من عمر أي واحد منا.
بغض النظر عمن “انتصر” في سوريا فقد خسر الجميع فيما عدا الدائنين والشركات الدولية. هذه حقائق لا يمكن التراجع عنها، وسيكون لها تداعيات بغض النظر عن نتائج الحرب. إذا كنت تسأل، “كيف يمكننا الخروج من ذلك؟” الجواب هو: “لا مخرج”. هذه هي النتائج المترتبة على القرارات في عالم الواقع. وهذا هو السبب أنك من المفترض أن تحسب العواقب قبل اتخاذ القرارات.