يبدو لي أن واحدا من أكثر العناصر التي تأتي بنتائج عكسية، بل في الواقع تكون تخريبية للنفس فيم يتعلق بالفكر الإسلامي المعاصر هي التركيز على إقامة “دولة إسلامية”، أو استعادة “دولة الخلافة”.
أولا وقبل كل شيء، نحن نفترض خطأ أن هناك ما يعرف بالنظام السياسي الإسلامي، وهذا لا يوجد. فلا يوجد نظام إلزامي في الإسلام، ولكن توجد قواعد إلزامية، مع أمر صريح باتخاذ القرارات من خلال الشورى؛ وهذا هو كل شيء. فلم يتم تعريف نموذج للحكومة، وكلمة “الخلافة” كانت تستخدم منذ البداية وفي الأصل للدلالة على أي وكل شكل من أشكال الحكم، يتم من خلاله تولى شؤون المسلمين، في فترة تلو الأخرى. وهي ليست نموذجًا سياسيًا، وكل واحد من الخلفاء الراشدين الأربعة كان مختلفا بشكل ملحوظ عن الأخر، في كيفية وصولهم إلى السلطة، وفي هيكلهم الإداري، وفي سياساتهم. وبطبيعة الحال، فقد اختلفت كل الحكومات المتعاقبة عبر فترة هؤلاء الأربعة، وعن بعضهم البعض.
فإذا نجحتم في “إقامة حكومة إسلامية”، فمن الناحية العملية هذا سيعني الآتي: حكومة تدعي أنها إسلامية، وتعلن أن الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع، وسيكون على رأسها حاكمًا سلطويًا يعمل على البقاء في منصبه حتى يموت. وبعبارة أخرى، سيكون أساسا ما هو لدينا بالفعل اليوم ونحن غير راضين عنه.
فإذا نظرنا إلى طرفي الطيف الإسلامي، بدأ من جماعة الإخوان المسلمين من جهة، وانتهاء بداعش من جهة أخرى (وهؤلاء في الأساس عبارة عن بعثيين متأسلمين)، سنجد أننا نتحدث عن هياكل تنظيمية مبهمة بشكل ملحوظ، وهرمية بشكل صارم، وغير ديمقراطية، ومتعصبة وغير متسامحة من الرأي المخالف. بالتالي فأي الحكومة سيشكلونها سيكون لها هذه الخصائص نفسها. وأنا أضمن لكم أن أحدا لن يرضى عن هذا، ولا ينبغي الرضا عنه.
ما يجب التركيز عليه ليس هو “إقامة حكومة إسلامية”، ولكن أن تكون حكوماتنا أكثر إسلامية مما هي عليه. لسنا في حاجة لهدم ما هو قائم وبناء دولة جديدة من الألف إلى الياء، في حين أن المحصلة النهائية لتلك الممارسة ستتركنا بشكل أو بأخر في نفس الوضع الذي نقبع فيه الأن بالفعل. ما يتعين علينا القيام به هو التركيز على سياسة مطالبنا لإجراء تغييرات في النظم والسلوك المؤسسي… ففي نهاية المطاف، سواء كنت تعرف أو لا، فهذا يعني أن ما تريده هو الديمقراطية. فأنت تريد أن يكون لك رأي في كيفية “حكم” الحكومة، وهذا هو ما يسمى “بموافقة المحكومين”.