من المربك بعض الشيء رؤية الجهاديين يقومون بإدانة تركيا للتضحية بحلب.
ولكن انظروا. هذا ما يحدث عندما يصطدم بالواقع كل الذين تحدثوا عن “التوكل” وعن كيف يمكن لطرف أضعف أن يهزم طرفا أقوى إذا كان فقط لديه عقيدة سليمة، وكيف لا نحتاج إلى استراتيجية ولا تخطيط ولا أي شيء من هذا القبيل.
لقد انسحبت من حلب الجماعات المتمردة المدعومة من تركيا بناء على أوامر من أنقرة. هذه حقيقة راسخة، بناء على اتفاق بين تركيا وروسيا. وقد امتثلوا لهذا الأمر، لأنهم في الواقع يعتمدون على الدعم التركي. حتى لو كانوا هم وجوقتهم يتظاهرون أن التوكل يعني أن تقذف بنفسك مغمض العينين أمام احتمالات مستحيلة وأنت لا تحمل سوى بندقيتك والتكبير. في واقع الحياة وفي واقع الدين يعلم الجميع أن هذا ليس ما يعنيه التوكل. وفي ما سيكون عليكم مواجهة هذا الواقع.
إذا كانوا يؤمنون حقا بالفكر الذين يزعمون أنهم يؤمنون به لقالوا “نحن لسنا بحاجة إلى تركيا. فلتقطع عنا التمويل والأسلحة والمساعدة اللوجستية.. لا يهم” ولكان مصيرهم الموت مع أكثر من 46،000 شخص ساعدت تركيا في إجلائهم.
ولكن لحسن حظ الجميع اختار المتمردون أن يكونوا واقعيين بدلا من التنظير المتعصب.
كان شطر حلب الذي يسيطر عليه المتمردون بالفعل في طريقه إلى الانهيار قبل أن تبرم تركيا الاتفاق مع روسيا. لنكن صادقين. لقد كانت حالة النصر في أغسطس 2016 التي أعلن المتمردون فيها كسر حصار النظام على المدينة مبالغا فيها وسابقة لأوانها على السواء. فمع أوائل سبتمبر، انقلبت كل مكاسب المتمردين إلى خسائر. وبحلول نهاية نفس الشهر اتسعت قبضة النظام لما يصل إلى 20٪ من مناطق المتمردين في المدينة. ومع نهاية أكتوبر، فقد المتمردون ما يقرب من نصف الأراضي التي احتلوها سابقا؛ وعقد النظام العزم على حرق كل ما بقي. وبحلول ديسمبر، كان حوالي 5٪ فقط من حلب تحت سيطرة المتمردين. فكان ﻷردوغان الحق في اتخاذ القرار، وقد اتخذ القرار الصحيح. إذ حفظ قراره ليس فقط أرواح المدنيين بل والمقاتلين أيضا.
الآن قد يقول قائل إنه كان على تركيا القيام بعمل عسكري بنفسها للدفاع عن حلب، أو أن تزيد من دعمها للمتمردين لتمكينهم من استعادة السيطرة على الأراضي التي فقدوها. ولكن كلا الاقتراحين قصير النظر للغاية. فالتدخل العسكري المباشر من قبل الجيش التركي، بصراحة، هو فكرة سخيفة لأسباب يطول سردها. أنا واثق من أن الولايات المتحدة كان سيعجبها كثيرا أن ترى ذلك يحدث بالمناسبة. أما زيادة دعم المتمردين، كونه السبيل الوحيد لهم للحفاظ على أي وجود في المدينة، فمن شأنه أيضا ألا يكون له أي فائدة. كانت المعركة خاسرة ببساطة. وكان أفضل خيار تكتيكي هو الحد من الخسائر والانسحاب بموجب اتفاق من شأنه أن ينقذ الأرواح.
ولكن، بطبيعة الحال، يلقي الجهاديون اللائمة الآن على تركيا في سقوط حلب. ولكن الحقيقة هي أن لومهم تركيا هو اعتراف ضمني بأن تفسيرهم لبعض جوانب الدين هو تفسير معيب، الأمر الذي ينطبق أيضا على المنطق الديني من حمل السلاح ضد النظام دون أي فرصة معقولة للفوز. وإن لم يكن معيبا فهو على الأقل مخادع. لماذا؟ لأنهم في نهاية المطاف كانوا يعتمدون على الدعم الخارجي، الدعم التركي لإحراز تحررهم. لذا فعندما استشهدوا بغزوتي بدر ومؤتة وحالات أخرى من انتصار القوى الإسلامية الصغيرة على جيوش أكبر، لم يكونوا مؤمنين بذلك حقا، لأنهم كانوا يعتمدون على الأتراك لدعمهم.
حسنا، دعمتهم تركيا، وهم يعتمدون على تركيا، و نعم، هذا يعطي تركيا سلطة صنع القرار؛ وبصراحة، علينا أن نشعر بالامتنان لذلك.