حيث يتم خلط الإسلام السياسي بالجهادية على نحو متزايد، فقد أصبح من الأهمية لنا، أكثر من أي وقت مضى، أن نطور من منصة للتعبير عما يعنيه الإسلام السياسي بالضبط، وما لا يعنيه. وهذا لا يعني أنه علينا تقديم تنازلات بأي شكل من الأشكال عن مبادئنا الدينية أو السياسية، لكننا يجب أن نميز أنفسنا عن الأطراف الراديكالية للحركة؛ أي المنظرين الواهمين والجهلة سياسيا. ويجب علينا أن نحدد ما نعنيه فعلا، وماذا نريده في الواقع.
رغم أن الجهادي قد يصبح مجاهد، إلا أنهما ليسوا سواء. فالمجاهد قد يكون مؤمن عاقل، ومعتدل وسليم العقيدة ويتمتع بفهم سياسي دقيق. ولكن بشكل عام، لا نستطيع أن نقول نفس الشيء على الجهادي. فهؤلاء عادة يميلون إلى نهج واحد (العنف) بغض النظر عن فعاليته أو حكمته، كما أنهم يسعون وراء رؤية طوباوية مجردة لا تمت للواقع إلا بصلة ضئيلة أو معدومة. وفي الغالب فإن قلقهم الصادق على الأمة، وحماسهم ورغبتهم في أن يكونوا نشطين، يتم التلاعب بهما وتضليلهما.
ولكن لدينا مشكلة خطيرة جدا في أنه ليس لدينا برنامج سياسي أو اقتصادي واقعي ومحددة على طاولتنا، فلم يعد يكفينا مجرد القول بأننا “نريد القرآن والسنة، ونريد الشريعة الإسلامية، ونريد دولة خلافة”، لأن الغالبية الساحقة منا ليس لديها أي فكرة عما يعنيه أي من هذا. نحن لسنا علماء في الشريعة الإسلامية، كما أننا لا نستشير علماء الشريعة الإسلامية. ففي الأساس، نحن نريد فقط أن تكون الأمور أفضل، وأكثر عدلا، وأكثر إنصافا، ونريد لمجتمعاتنا أن تكون أكثر صلاحا وأرقى أخلاقا. ولكن عدد قليل جدا من الناس يمكن أن يحددوا قائمة السياسات التي يمكن استخلاصها من الشريعة لتحقيق كل هذا.
المشاكل التي نواجهها، والمصاعب التي نعاني منها، لن يمكن حلها عن طريق السن الفوري لقوانين الحدود، خاصة وأننا لم نضع نظاما للإجراءات القانونية الواجبة. انظروا مثلا إلى الأراضي التي يسيطر عليها الثوار في سوريا حيث يتم فرض “الشريعة” على الضعفاء عن طريق “القضاة” الذين لا يملكون إلا فهما منقوصا عن القانون. لا… فغياب العقوبات الحدية هو أقل وأهون مشاكلنا، ومعظم الناس يعرفون أن “الشريعة” تعني أكثر قليلا من مجرد قطع يد السارق ورجم الزاني. وكأن السرقة والزنا هي القضايا التي تحتل الصدارة في مجتمعنا.
نحن فقراء، وجياع وعاطلين عن العمل ومرضى، وتعليمنا غير كاف، وليس لدينا أية آفاق للمستقبل. كما أننا تحت هيمنة غيرنا، ويتم نهب مواردنا، واستعباد اقتصاداتنا عن طريق الديون، ولا نملك السيطرة على مصائرنا. سياسيونا وموظفو حكوماتنا فاسدون، ومدارسنا لا تعدنا للنجاح وبنيتنا التحتية تتداعى، والفجوة بين الأغنياء والفقراء لدينا تتسع كل يوم. نحن بحاجة ماسة لحلول سياسية عملية وواقعية تنفع مع العالم اليوم.
وطبعا، يجب أن نكون قادرين على تقديم هذا البرنامج السياسي لإنقاذ الإسلام من كونه شيء افتراضي يتم تسويته بشكل تلقائي بالتطرف والإرهاب.