كان مجتمع الاستخبارات ذكيا في قديم الزمان، فكان الجواسيس والعملاء يعرفون آنذاك أن الأمن يعتمد على معلومات دقيقة وتهديدات محددة. وكان الأمر يتطلب تحديد مخاطر معقولة وفعلية تستهدف الجماعات والأفراد المشاركين على الأرجح في أعمال العنف أو تهدد للأمن بأي شكل. لا شك أنهم كانوا سيضحكون على المفهوم العام لجمع البيانات الوصفية (metadata collection). فلا يمكنك أن تحسن من احتمالات العثور على ابرة في كومة قش عن طريق زيادة أكوام القش التي ستقوم بغربلتها. لذا فعندما تتعامل مع قطاعات كاملة من المجتمع على أنها مشتبه بها، فهذا يقلل جدا من فرصتك على تحديد التهديدات الحقيقية بدقة. وأما تقليد “إلقاء شبكة كبيرة” وفق تعريف مجتمع الاستخبارات الحديث فقد كشف عن نفسه الآن في صورة #حظر_المسلمين، حيث سيتم اعتبار 200 مليون شخص كإرهابيين محتملين. وهذا بدون الاستناد على أية نظرية عقلانية، ومجربة، ومثبتة للوقاية الفعالة من الإرهاب، لآنه بدلا من ذلك استند على التعصب وجنون العظمة. وكل هذه عيوب قاتلة لأي شخص مشارك في تقييم المخاطر المحققة.
في رأيي، التكنولوجيا الخاصة بجمع البيانات الوصفية لا علاقة لها بالأمن. ومثل سائر التطورات التكنولوجية الأخرى في الولايات المتحدة، من المرجح أنه قد تم تطويرها لاستخدام القطاع الخاص تحت ذريعة الأمن. فهي مصممة لأغراض التسويق، وصقل بيانات المستهلكين الديموغرافية للشركات، ورسم خرائط الشبكات الاجتماعية، والعادات، ومجالات الاهتمام، وهلم جرا، أي أنها تزود الشركات بمعلومات حيوية عن العملاء، واعتقد ان هذا هو السبب وراء هذه التكنولوجيا، وسيتم تحويلها إلى القطاع الخاص لهذا الغرض (إن لم يكن قد حدث بالفعل).
مع العلم أن إيجاد مبررات لجمع البيانات الوصفية كان له تداعيات سياسة هائلة. فهو لا ينشر فقط الشك والكراهية غير المبررة وغير المنطقية، ولكنه أيضا يقوض من عملية جمع المعلومات الاستخبارية الفعلية والحقيقية، مما يزيد من احتمال تواجد المؤامرات الإرهابية دون أن تكتشف.