القاعدة السائدة في المعتقلات هي أن الحراس لا يحملون السلاح. هذا هو المتبع في كل مكان على حد علمي. والسبب واضح وهو أن المعتقلين قد يستولون على هذه الأسلحة. هذا يوضح ببساطة خوف الحراس الشديد من المعتقلين, بل من المذهل ان المعتقلين لا يشعرون بهذا الخوف.
عندما دخلت السجن المركزي لأول مرة ولاحظت أن الحراس منزوعي السلاح, لم أفهم أي سبب في الدنيا يجعل المعتقلين يختارون البقاء في السجن, كما بدأت فورا ً في التخطيط للهرب. ولكني فهمت تدريجيا ً أن العديد من العوامل – منها العملي ومنها النفسي – تبقي على المعتقلين في حالة سلبية.
سأقوم – إن شاء الله – أولا ً بمناقشة العوائق النفسية الرئيسية
ربما بحكم خبراتهم السابقة مع عنف حكوماتهم المستبدة في مواطنهم الأم (باكستان وإيران وغيرها من الدول العربية إلخ) كان أغلبية السجناء يعانون حالة من الرعب الموهن عند رؤية زي الشرطة. حتى لو كان من يرتدي هذا الزي بدينا ً ضعيفا ً ساذجا ً كسولا ً, فلم يكن ما رآه السجناء عند النظر إليه إلا سطوة الدولة.
كانت هذه عقبة نفسية كئود.
عندما نظرت إلى الحراس لم أر إلا رجالا ً عاديين يتقاضون أجورا ً زهيدة ويتسمون عادة إما بالبطء والوزن الزائد وإما بالنحول المصاحب للضعف, ربما لم يخض أإغلبهم عراكا ً في حياته. كانوا يقضون أغلب الساعات الثماني – وهي فترة خدمتهم – في الجلوس وتناول الشاي والسجائر. كما كان واضحا ً قلتهم العددية الشديدة مقارنة بأعداد السجناء بحيث أن أي حركة جماعية من السجناء يستحيل مع الحرس التعامل معها.
ولكن كان هناك عامل نفسي آخر: وهو الغياب التام للتكافل بين السجناء. تجدر الإشارة لهذا لأن التكافل يجب أن يكون سائدا ً بين سجناء الإسلاميين في مصر. في معتقل الشارقة المركزي كأن أغلب السجناء من المحكومين في تهريب المخدرات والقتل والسرقة والاغتصاب إلخ, كانوا يفتقرون للتعليم والأخلاق والالتزام. لم يكونوا من المتدينين ولا النشطاء, لم يكونوا ملتزمين بأي أهداف أو قواعد ذات شأن, بل كان أغلبهم ممن عاش حياته ليشبع غرائزه ولا يهتم إلا بمصلحته الشخصية والحرص على حياة.
مع الأعداد الهائلة من الناشطين الإسلاميين المعتقلين في مصر, هناك فرصة أفضل كثيرا ً لتحقيق التكافل والتنسيق, عسى الله أن يكون في عونهم ويكتب لهم الخروج جميعا ً.
أخيرا ً, لدى العديد من السجناء نوع من الأمل السلبي أن قضاياهم في طريقها للحل وأنهم في طريقهم للخروج. هناك طريقان لحدوث هذا كلاهما مستبعد. الأول أن يتحقق أملك أن تطمئن المحكمة لبرائتك أو أن تصدر عليك حكما ً مخففا ً. عادة ما تستغرق عملية التقاضي سنوات في دولة الإمارات, حيث تنعقد هيئة المحكمة بشكل رسمي غالبا ً كي يحكم القاضي بالتأجيل. فتذهب للمحكمة كل شهر ليتم تأجيل القضية في كل مرة. وتتحول العملية إلى حلقة مفرغة مثل تجديد أمر الاعتقال المتبع في مصر.
أما الأمل الزائف الثاني عند السجين فهو بعد إصدار الحكم, أنه سوف يحظى بعفو رئاسي في أحد الأعياد, فينتظر بلا طائل سنة تلو أخرى أن يظهر اسمه في قائمة المعفي عنهم, وكأنه ينتظر نتيجة اليانصيب.
كل هذه العقبات النفسية ليست إلا أعراضا ً لنفس المرض, وهو الإيمان بتفوق النظام ودونية البشر.
أعود فأكرر أن هذا المرض لا يصح أن يخالط قلوب الإسلاميين المعتقلين في مصر من الذين اختبروا قوة النضال الشعبي مقابل خور النظام.
إن شاء الله وبإذن الله يتحرر إخواننا وأخواتنا من معتقلي الإسلاميين في مصر من العقبات النفسية التي تصيب غيرهم من النشطاء غير المتزمين.