لعل أقرب مثال في تاريخنا تم فيه استهداف العمليات التجارية فكانت النتيجة هي التغيير السياسي، لهو قصة أبو بصير وأهل سيف البحر، معظمنا يعرف هذه القصة من عهد رسول الله ﷺ، ولكنني سأقوم بتلخيص الأحداث هنا.
من ضمن شروط صلح الحديبية بين رسول الله ﷺ وقريش، كان هناك شرطًا صعبًا للغاية وهو أن أي رجل مسلم يهرب من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة يجب أن يتم رده مرة ثانية إلى وصاية الكفار، وكانت أول حالة تضع هذا الشرط موضع الاختبار هي حالة أبو بصير، فقد هرب من مكة للمدينة المنورة ولكن تم رده فورًا إلى مطارديه القريشيين فقام رسول الله ﷺ برده وفقًا لشروط المعاهدة.
في الطريق إلى مكة قام أبو بصير بقتل أحد من قبضوا عليه وهرب مرة أخرى إلى المدينة المنورة، وكان رسول الله ﷺ سيعيده مرة أخرى إلى قريش لولا أن أبو بصير هرب بعيدًا واختبأ في منطقة تسمى سيف البحر، وهناك أخذ أبو بصير على عاتقه أن يهاجم أي قافلة لقريش تمر من طريقه، وانتقلت أنباء قصته وانتشرت بين المسلمين المضطهدين في مكة المكرمة، فكان أي شخص يجد فرصة للهروب يشق طريقه مباشرة إلى أبو بصير، بدلا من المدينة المنورة. فزادت أعدادهم وتكثفت هجماتهم على القوافل التجارية من قريش، ونتيجة لهذا طلبت قريش نفسها في نهاية المطاف أن يتم تعديل شروط المعاهدة للسماح لأي مسلم فر إلى المدينة المنورة بالبقاء هناك.
وبهذا كان أهل سيف البحر هم رواد استراتيجية استهداف المصالح التجارية، وتعطيل سلاسل التوريد، وتعطيل الربحية والكفاءة التشغيلية، للضغط على رجال الأعمال لاستخدام نفوذهم لتحقيق تغيير سياسي كبير.
وهي استراتيجية فعالة ويمكن أن تعمل بنفس النجاح اليوم كما كانت في الأمس، لأن المعادلة الأساسية لم تتغير: الأعمال التجارية لا تزال (أكثر من أي وقت مضى) لها سيطرة غير متناسبة على السياسة، ولا تزال مفرطة الحساسية تجاه اضطراب الأرباح.
لقد أعطانا أبو بصير نموذجًا للمعارضة السياسية الفعالة، إذا كنا من الفطنة بحيث نتعرف عليه وندركه.