لنكن منصفين؛ تجاوز السفن لقناة السويس في خط سيرها ليس خطأ السيسي، ولكنه نتيجة النظام اللاعقلاني الذي يتسم به النظام الاقتصادي العالمي، وكيف أن تلك اللاعقلانية تسببت في انخفاض هائل في أسعار النفط، فأصبح أرخص على الشركات أن تتخذ طرق أطول من أن تدفع رسوم للوصول إلى القناة، وهذا كل ما في الأمر.
فإذا أردت أن تنتقد السيسي في أمر يخص تكلفة مشروع توسعة قناة السويس، ومجموعة وعوده بأن هذا المشروع كان سينعش الاقتصاد المصري، فلابد أن تنتقد أيضًا فشل النظام في تقديم أية توقعات مستقبلية لأهمية قناة السويس على المدى الطويل.
ويبدو أن مشروع التوسعة قد تم على أساس افتراض أن الجغرافيا السياسية للتجارة العالمية لا تتغير، وأن قيمة قناة السويس لا تقدر بثمن، وأنها ستظل دائما لا تقدر بثمن، وهذا افتراض مشكوك في صحته.
إجمالي واردات وصادرات الصين سنويا يفوق 4 تريليون دولار، وهي بذلك تأتي على رأس قائمة تجار السلع في العالم، واليوم فقد أصبحت أهمية وإمكانات قناة السويس، حتما، مرتبطة بالتجارة الصينية، إلا أن حكومة السيسي احتاجت لوقت طويل جدا كي تلحظ أن الصين كانت تعمل على تطوير استراتيجية للتجارة طوال السنوات القليلة الماضية، وأن هذه الاستراتيجية ستسمح لها بشكل كبير أن تتجاوز وتتفادي قناة السويس من خط ملاحتها بمجرد أن تصبح الظروف مواتية.
على مدار العقد الماضي، بذلت الصين نشاطها لإنشاء مشروع “طريق الحرير الجديد” الذي يمتد من ساحل الصين إلى أوروبا، وعبر آسيا الوسطى وإيران. وقد تم إنشاء شبكات القطارات والطرق في شمال ايران لربط أفغانستان بتركيا.
وفي العام الماضي، نجحت مجموعة سكك حديد الصين في التعاقد على بناء جزء من خط السكة الحديد لربط “بودابست” بـ”بلجراد”. وقد امتد “طريق الحرير” الجديد الآن مباشرة من منطقة شنتشن الصناعية على بحر الصين الجنوبي ليصل إلى قلب أوروبا الشرقية.
وبهذا نرى أن اعتماد الصين على قناة السويس يتناقص، بالإضافة إلى وقوع مصر أكثر وأكثر تحت نفوذ دول الخليج، وبالتالي، وفي ظل سيطرة الولايات المتحدة، أصبح أعتماد الصين على قناة السويس يقل شيئاً فشيئًا.
تمثل الصين ما يقرب من 28٪ من القيمة الإجمالية لصادرات الخطوط الملاحية المنتظمة في العالم، و30٪ من حجم الصادرات الكلي للحاويات، وبدون الصين، فإن وعود السيسي لتوسعة قناة السويس، ولا سيما في ظل التباطؤ الغير محدد للتجارة العالمية، هي وعود زائفة بشكل متوقع.