أكثرنا عندما يقرأ حديث “مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإيمَانِ” (1)، يميل إلى فهم الحديث وكأنه يتحدث عن الظروف التي تتخطى قدراتنا، فإن لم نستطع تغيير المنكر باليد مثلا فالسبب يجب أن يكون أن الظروف لا تسمح لنا بتغييره، إلا أن هذا ليس مقصد الحديث حسب فهمي.
قد نفهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أن بغضنا للمنكر بقلوبنا يشكل أقل مستويات الإيمان، أما لو منعتنا الظروف من القيام بما هو أكثر فلن يكون شعورنا ببغض المنكر مؤشرًا على مستوى إيماننا، إذ لا لوم علينا لو لم نقاوم المنكر بأيدينا أو بألسنتنا بما أن الظروف منعتنا من القيام بذلك.
ولكني أرى أن هذا الحديث يشير إلى الإمكانيات الخاصة بكل فرد منا، فمن يملك أقل الإمكانيات يكون لديه أقل مستويات الإيمان، والسبب في هذا هو أنه لو كان إيمان هذا الشخص أقوى لكان جهز نفسه وطور إمكانياته وحسن من قوته ومهاراته فإن رأى منكرًا لاستطاع تغييره بيديه.
أما لو كنت سيء البنية وضعيفًا وغير لائق جسديًا فهذا إقرار مسبق منك أنك لن تكون قادرًا على مواجهة المنكر بيديك، ولو كنت ضيق الأفق ولم تقم بإعداد نفسك بالمعارف والعلوم ولم تطور مهاراتك الفكرية والنقدية وقدرتك على الحوار والنقاش فأنت بذلك تقر أنك غير قادر على تصويب المنكر بلسانك، وأنك قد قررت مجرد إضمار البغض للمنكر بقلبك وأنك عاجز عن تغييره بأي شكل وبالتالي فهذا كما قلنا يعكس ضعفًا في الإيمان.
إياك والظن أن الإيمان عبارة عن أمر مبهم أو مُشكِل وغير قابل للقياس حيث أن محله القلب فحسب، وإياك والظن أن الأمر الوحيد الذي يعكس مستوى إيمانك هو تلاوة القرآن وصلاة النوافل إلخ، فالعبد الأفضل عند سيده هو الأفضل مهارة والأكثر أدبًا وذكاءً وقوة وقدرة، وهو العبد الذي يحقق إرادة سيده.
حسنًا أنت عبد لرب العالمين وسيدك هو رب الأرباب، إذا يتوجب عليك تطوير ذاتك وتقوية بدنك وتحسين أدائك العقلي والروحاني والجسدي لتكون أفضل عبد لربك قدر استطاعتك… وكل ما ستفعله في هذا الشأن سيكون عبادة وسيكون وقوده هو الإيمان.
(1) الحديث رواه مسلم.