يبدو لي أن خطاب الإسلام السياسي لا ينبغي أن يكون مفعمًا بالصدامية أو العداء تجاه غير المسلمين، بل ينبغي أن يكون مناهضًا للإمبريالية، ومكافحة الاستعمار، بكل تأكيد. ولكن لا يوجد سبب يجعلنا ننظر لغير المسلمين تلقائيا على أنهم معادون للإسلامية، كما لا يوجد سبب يدعوا الإسلاميين ليكونوا تلقائيا معادين لهم. بطبيعة الحال، فإن الإعلام الغربي السائد سيفعل كل ما في وسعه لغرس هذا النوع من العداء، ولكن هذا لا يعني أن تكون هذه هي طبيعة القضية.
اذا قمنا بما يفترض علينا القيام به؛ أي إذا قمنا فعلا بالجهد المطلوب لبناء منصة للسياسات والمواقف السياسية التي تعكس القيم الإسلامية والتمسك بالشريعة الإسلامية، بدلا من مجرد ترديد شعارات وخطابات حنجورية فارعة، فهناك كل ما يدعو إلى الاعتقاد بأن غير المسلمين، وبنفس القدر المسلمين أنفسهم، سيكونوا قادرين على الاعتراف بالإنصاف والعدالة الاجتماعية، وإيجاد حلول للمشاكل التي نواجهها جميعا.
تاريخيًا، سنجد أن غير المسلمين ازدهروا داخل النظام الإسلامي، وإلا فكيف تظنون أن الإسلام قد انتشر؟ فهو لم ينتشر عن طريق التحويل القسري، ولكنه انتشر لأن الشعوب غير المسلمة التي تعيش في كنف الدولة الإسلامية شهدت بنفسها جمال وخيرية الإسلام، ثم قارنوا سلوك الدولة الإسلامية بسلوك أنظمتهم السابقة.
يبدو وكأن الكثير من الجهاديين والخلافويين متشوقون اليوم إلى إقامة حكومة إسلامية حتى يتمكنوا من الانتقام من الكفار الذين يعيشون في مجتمعاتهم. حسنا، في هذه الحالة ستكون لدنيا دولة إسلامية غير معترف بها من الخلفاء الراشدين والسلف الصالح، لأن هؤلاء كانوا حذرون إزاء الحفاظ على حقوق جميع المواطنين تحت سلطتهم.
لا ينبغي أن تكون الدعوة إلى الشريعة الإسلامية بطريقة مشابهة للتهديد، مثل قول، “فلتحذر أيها الكافر! الخلافة قادمة لتقتص منك!” ولكن ينبغي أن تتم الدعوة بنفس الطريقة التي ندعو بها إلى الإسلام نفسه، بالهدوء والحكمة والرحمة، والعقل.
ولكي نتمكن من القيام بهذا، كما قلت، فعلينا القيام بواجبنا الفكري الضروري، وصياغة تعريف لما يعنيه الإسلام السياسي، وصياغة السياسات التي يدعو إليها، وكذا صياغة الحلول الحقيقية والعملية التي يقدمها للعالم أجمع.
الحمد لله، نحن نعيش في عصر، يجري فيه التخلص من الأفكار القديمة، والأجيال الشابة منفتحة على الأفكار الجديدة، سواء تبناهم شخص اشتراكي مثل بيرني ساندرز أو ملياردير رأسمالي مثل دونالد ترامب.
لا يوجد سبب يحول دون أن يتجاوز الإسلام السياسي كونه مجرد مساحة في الطيف السياسي وتسنده دائرة ضيقة من السكان المسلمين. إذا كنا نعتقد حقًا أنه يحتوي على حلول لمعاناة بشرية، فهو يستحق أن تتم صياغته وأن يعرض على الجميع.