خلال النصف الأخير من القرن العشرين، كان هناك تحول منتظم للسلطة من حكومات تخضع لآليات ديمقراطية إلى مؤسسات غير حكومية أو شبه حكومية تستحوذ على سلطة خاصة وتحصن نفسها ضد آليات المساءلة الديمقراطية.
فنجد أن اتفاقيات التجارة أصبحت تناقش وتوقع دون أي مشاركة شعبية، بل يقوم بكتابتها محامين الشركات، مثل الاتفاقية العامة للتجارة والتعريفات الجمركية (الجات)، وصياغة القواعد الدولية المتعلقة بالتحكيم في المنازعات التجارية، مما يقوض الديمقراطية والسيادة الوطنية.
أما بالنسبة لمؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية فهي تتمتع بسلطة هائلة تفوق سياسات الدول، بل أنها تكاد تكون ديكتاتورية في سلطتها، بينما تظل أيضًا محصنة تماما ضد الضوابط الديمقراطية.
ويتم كذلك إنشاء مؤسسات حكومية جديدة، مثل البرلمان الأوروبي، وهي مؤسسات تهدف إلى الالتفاف على الديمقراطية الوطنية، وتهميش الناخبين المحليين.
تشكل الشركات ما يقرب من نصف أكبر الكيانات الاقتصادية في العالم، وهي تلتزم بنموذج استبدادي صارم للسلطة، مع عدم وجود مشاركة ديمقراطية في صنع القرار، وانعدام أي مساءلة شعبية، وبهذا فهم يستولون على أصول وظائف الدول بشكل كبير.
وبهذه الطريقة يتم تحويل السلطة والقوة بسرعة إلى أيدي مؤسسات خاصة غير خاضعة للمساءلة، بينما يظل السكان مهمشون ومحرومون. وهذا الاتجاه يتناغم بشكل كبير مع صعود الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة في العالم. إنها لواحدة من المفارقات الكبرى في التاريخ أن يصبح المعنى الحرفي لصعود أمريكا هو تفكك الديمقراطية أينما وجدت في العالم، وحتى داخل أمريكا نفسها.
(مقتطفات من كتاب “ألف ومائتا هلال قادمة”)
#ألف_ومائتا_هلال