حتى مع الأماني المتفائلة التي غرتنا بزيادة التنوع الثقافي، فإن أحد آثار ما يسمى بالعولمة كان عبارة عن نشأة نوع من الثقافة المتجانسة على الصعيد العالمي؛ بمعنى أخر توحيد القيم ووجهات النظر، وحتى العادات الشخصية، لكي تتمشى مع ثقافة اللاعب المهيمن في عملية العولمة. فمع توسع الشركات الأمريكية في أراضٍ أجنبية، راحوا يحملون معهم القيم وأساليب الحياة والسلوك الأمريكي، وبقدر كبير أيضًا، الدين الأمريكي. لهذا مثلا نجدهم في مقهى مثل ستاربكس في اسطنبول يديرون الأغاني الإنجليزية لعيد الميلاد بدأ من شهر نوفمبر وحتى يناير، على الرغم من أن الموظفون وكل الزبائن تقريبًا من المسلمين الذين لا يفهمون اللغة الإنجليزية.
ولأن الولايات المتحدة تعتبر، في حقيقة الأمر، قوة محورية في العالم، وتأثيرها هذا لا مفر منه، حتى عندما تكون قوتها هذه من وراء الستار، فنحن نجد الناس في جميع أنحاء العالم يشاهدون الأفلام الأمريكية، والبرامج التلفزيونية الأمريكية، ويستمعون إلى الموسيقى الأميركية.
وكل هذا يخلق إطارًا أمريكيًا أحادي المرجعية يمتد عبر البلدان والثقافات المتنوعة. فالأفلام ووسائل الإعلام الشعبية، بالطبع، تعبر عن السلوك ووجهات النظر للثقافة المحددة التي تنبثق منها؛ بالتالي فإن الإفراط في التعرض لوسائل الإعلام هذه، سيؤثر حتمًا على سلوك ووجهات نظر جمهور المشاهدين.
لذا، فإن صح التعبير، نجد أن سيادتنا الثقافية يتم تقويضها بينما يبدأ الشباب في المقارنة بين ثقافتهم التقليدية وبين ما يتعرضون له عبر وسائل الإعلام الأمريكية. وهذا لا يعني بالضرورة أنهم سيتبنون الثقافة الأمريكية جملة واحدة، أو أنهم سيتبنونها على الإطلاق؛ ولكنه يعني أن علاقتهم بثقافتهم وفهمهم لها، سيتبدلان بشكل دائم بسبب التنافس الثقافي الذي يطرحه تخلل الوجود الأميركي هذا.
كل هذا يعطي قوة هائلة للولايات المتحدة الأمريكية، وهذه القوة ستزيد أكثر وأكثر على مدى السنوات الـ 100 المقبلة.
قضية التأثير الثقافي، في الواقع، ستصبح ذات أهمية متزايدة مع استمرار نمو القوة الأميركية، بل ستصبح أكثر أهمية وأكثر خطورة. لأنه، مما نراه ونشهده كل يوم، فإن صعود القوة الأميركية كان دائمًا مصحوبًا وملازمًا بهبوط في ثقافة ذاك البلد، مع تخلي تدريجي عن القيم التي أسست عليها.
#ألف_ومائتا_هلال
مقطع من كتاب “ألف ومائتا هلال” قريبًا بإذن الله.